كلمات روحيّة للحياة
سبت الفرح
-5-
تسبحة العذراء مريم
مَنْ مِنَ البشر يستطيع أن يصف العلاقة التي تربط العذراء مريم أُمّ الله –السماء الثانية– بابنها وحبيبها ومخلّصها؟
شيء يفوق الإدراك، فهي عَرَفَتْه كما لم يعرفه بَشَر مِن قَبلها أو بعدها.. فهي وحيدة في طريقة معرفتها له.. إذ حملته في أحشائها ومستودعها دائم البتولية، حملته كجنين، تسعة أشهر كاملة، وعلاقة الأم بجنينها شيء يصعُب التعبير عنه.. فهي أحاسيس داخلية غاية في العُمق يَعسُر أن يُعبَّر عنها بألفاظ. فإن كان هذا مع الأمومة الطبيعيّة فكَم يكون مع العذراء المُقدَّسة نفسًا وروحًا، والمُرهَفَة الحِسّ الطاهر أكثر من الخليقة كلّها؟ فهي إذن أمور عالية عن الفكر لأنّها ارتفعَت أكثر من السموات!!
في إطار هذه العلاقة الفريدة، تمتّعت الأمّ بالخلاص الذي صنعه ابنها وحبيبها، وبينما كان العالم يفرح لقبوله الخلاص والابن مُعَلّق على الصليب يدفع بدمه الغالي ثمن خطايا العالم، كانت أحشاء الأم تلتهب بنار لا توصَف، عندما تعلّقت عيناها بالذي عُلِّق على خَشَبة.
تَسبحةُ العذراء التي نالَت نعمة الخلاص من جِذر الخطيّة المنحدِر إليها مِن آدم، فقد سَرَى الموت بإنسان واحد واجتاز إلى جميع الناس، فهي قَد ورثَتْ عن آدم الطبيعة البشريّة التي يعمل فيها الموت، ولكنّها أدركَتْ قبل كلّ أحد أنّها حملَت في أحشائها آدم الثاني الذي فيه يقوم الكلّ، وإن كان بخطيّة واحد جُعِل الكثيرون خطاةً، فكَم بالحريّ بِبِرّ الواحد يُجعَل الكثيرون أبرارًا.
العذراء هي أوّل مَن قطفَ ثمرَ الخلاص، وأوّل مَن نطق تسابيح الخلاص بالروح قبل أن يُصلَب الربّ، بل قبل أن يولد من بطنها. فقد سبّحت تسبحتها والمسيح جنين في بطنها. فهي به فيها أدركَتْ الخلاص. ومِلؤها من الروح القدس الذي حلّ عليها، وقوّة العلي التي ظلّلتها، فاض في قلبها كلام التسبيح، لتُمَجِّد الذي افتدى البشريّة بصليبه.
بدأت تسبحةُ العذراء القديسة تُعظِّم الرب، وترفعه وتمجّده لأنّه صانع العجائب وحدَه. وقد أكمل كلّ مواعيده الصادقة. ثم أعلَنت بهجة الخلاص بالروح قائلة: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي» (لو1: 47). فبهجة الخلاص روحيّة خالصة، وفرح الخلاص لا يُعبِّر عنه ولا يعرفه سوى الروحيّون.
+ العذراء في تسبحتها، تُمَجِّد الذي نظر إلى اتضاع أَمَتِه، فهي العبدة والأم معًا، وقد حباها الله بقدرٍ من الاتضاع استطاعت به أن ترتفع أعلى من السموات «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ» (لو18: 14). وبقدر الاتضاع يكون الارتفاع. فمَن يقدِر أن يصف مقدار ارتفاع السماء الثانية، وبهذا القدر هي متواضعة، أليسَتْ هي الحمامة الحَسَنة الوديعة؟!
+ «صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ»، هكذا قالت الأم، لقد تأوَّه إشعياء في القديم قائلاً: «لِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» (إش53: 1). فلم يكن من يَفهَم هذا الاستعلان، أو هذا الظهور في الجسد، لأنّ الربّ شمّر عن ذراعه للخلاص، أي الحياة المَخفِيّة أُعلِنَت، ولكن لِمَنْ؟ أمّا العذراء القديسة أُمّ الإعلانات السماويّة، فهي باكورة البشر في استعلان غوامض حكمة الله، وهي أوّل مَن أحَسّ بذراع الربّ التي تُخَلِّص وتصنع قوّة.
+ «عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ... كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ». المواعيد العُظمَى والثمينة التي اشتهى الآباء تكميلها رأتها العذراء رؤى العين، قبل أن يراها بشرٌ أو يستجلي معناها ملائكة السماء.
فأوّل من أحسّ بنبض الخلاص كانت هي العذراء، وأول من نظر شمس البِرّ كانت عيناها الطاهرتين، وأول مَن قَبِلَ الابن مُتجسِّدًا للخلاص كانت هي، وأوّل مَن احتضنته وحملتْه على ذراعيها كانت الأم القديسة في كلّ شيء، ومِنها صار في متناول كلّ مَن يطلبه ويدعوه باسمه، وكلّ مَن أراد أن يأخذه ويحتضنه أخذه من يدها الطاهرة.
طوبى للأجيال التي تُطَوِّبها.. بل ستطوبها جميع الأجيال إلى مجيء الرب.
~~~~~~~~~
صلاة زكريّا الكاهن
«مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ... خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا...» (لو1: 68–79). هذا التسبيح النبوي من فم زكريّا الكاهن، الذي انفتحَ فَاه بعد أن بقِيَ صامتًا تسعة أشهر، هذا التسبيح العالي نستطيع أن نَشتَمّ فيه رائحة العذراء القديسة وروحها.. لقد سبّحَت العذراء تسبحتها في بيت زكريا الكاهن عندما دخلَت وسلّمت على أليصابات.. كان يوحنا المعمدان جنينًا ابن سِتّة أشهُر في بطن أمّه، حين رقص أمام تابوت العهد الجديد بابتهاج، فى هيكل الكهنوت القديم، أيْ أحشاء أليصابات العاقر.. وقد تعزّى الكاهن الشيخ وهو يَستمِع إلى أمّ الله تقول تسبحتها، وعندما نطق لسانه من بعد البَكَم، كان صَدَى تسبيح العذراء مازال يرنّ ويحرك أوتار روحه، فجاءت لغته في التسبيح وقد انطبع عليها نبرات صوت الأم والهيكل الجديد.
فهو يتكلّم عن الخلاص، ويتكلّم عن رحمة الله، وعهد الله المُقدّس، والقَسَم الذي حلفه لإبراهيم.. أليس هذا روح تسبحة العذراء.
زكريّا يستلهِم أيضًا آخِر ضوء من العهد القديم بفم ملاخي «وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ» (4: 2) فيقول: «افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ» الذي هو أيضًا قول إشعياء: «اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ» (إش9: 2).
كلّ هذا وشمس البِرّ لم يكن قد أشرق جسديًّا مِن العذراء، إذ أنّ هذا حدث في بيت لحم بعد سِتّة أشهر.
زكريّا الكاهن أيضًا تَنَبّأ بالروح عن يوحنّا كيف أنّه يُعطِي الشعب معرفة الخلاص بمغفرة الخطايا.. وهو عمل الكرازة والمُناداة بالتوبة، وإعلان المسيح وتقديمه للعالم.
+ طوباك أيها الكاهن الشيخ الذي استحقّ أن يكون أبًا لأعظَم مواليد النساء.. طوباك يا مَن حفظتَ أمانة الكهنوت في جيل مُلتوٍ ومُعوَج، وفي وسط الفريسيّين المُرائين والناموسيّين والكهنة ورؤساء الكهنة، الذين سَدّوا آذانهم عن الحقّ بل وقفوا ضدّ الحقّ، بل صادَروا تعليم المُعلِّم الإلهي الحقيقي، بل رفضُوا مشورة الله مِن جِهة أنفسِهم، بل صلبوه وقبلوا أن يصير دمه عليهم وعلى أولادهم.. أمّا أنت يا كاهن الله العلي فقد صِرتَ شاهدًا أمينًا، كما شهدَ عنكَ الروح أنّك وزوجتك الشيخة الوقورة أنّكما كنتما بارَّيْن أمام الله، سالكَين في جميع أحكام ووصايا الرب بلا لوم.
~~~~~~~~
صلاة سمعان الكاهن
«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ». (لو2: 29–32).
«كَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْه... أَنَّهُ سيَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ».. طوباه. فظَلّ مَحبوسًا في الجسد منتظرًا بالرجاء تحقيق الوعد الإلهي.. فلمّا نظر المسيح الإله المتجسِّد مَحمولاً على مَركَبَة الشاروبيم الجديدة، تحمله العذراء على ذراعيها.. انفتحَتْ عيناه الكليلتان.. فبنور الرب أبصر النور.
ولكن هل يستطيع أحد أن يرى الطفل الإلهي ولا ينجذِب إليه؟ حاشا.. أيستطيع سمعان الشيخ أن ينظره فقط ولا يحمله على ذراعيه؟ هل يكفيه مجرّد الرؤيا؟ هل تَشبَع النفس الذي طال انتظارها قائلة: كلّتْ عيناي من انتظار أقوالك؟ هل يُشبِعها مُجرَّد الرؤيا؟
لقد حمله سمعان على ذراعيه من يدي العذراء الأم.. خلاص المسيح ليس للمتفرجِّين أو الناظرين مِن بُعد.. المسيح جاء في الجسد لكي نراه، بل ونلمسه، بل ونحتضنه، بل ونأكله أكلاً.. إنّنا ننجذِب إليه بقوّة لا تقاوَم.. «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ» (يو6: 44).. «وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ» (يو12: 32).
+ فلمّا احتضنه واستنشق رائحة الحياة الأبديّة فيه، فتح فاه بتسبحتِهِ التي صارت جزءًا ختاميًّا للتسبحة اليوميّة في الكنيسة. بل أنّ الكاهن يحمِل البشارة (كلمة الله) على ذراعيه ويطوف حول المذبح قبل قراءة الإنجيل ويقول نفس الصلاة: الآن تُطلِق... .
سمعان الشيخ رأى المسيح مُتجسِّدًا وقال: «عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ»، فهو إذن رأى الخلاص.. رأى الصليب، بل رآه علامةً تُقاوَم.. رأى علامة ابن الإنسان.
طوباك يا سمعان الشيخ، الكاهن الإنجيلي المؤتمَن والأمين في ترجمة كلّ كلمة، بل وكل حرف.. طوبى لعينيك اللتين أبصرتا الخلاص وامتلأتا من النور الحقيقي. وطوباك يا مَن اشتهيتَ أن تنطلِق مِن سجن الجسد، في زمان كان الجسد فيه هو كلّ رأس مال الناس.
(يُتّبَع)
سبت الفرح
-5-
تسبحة العذراء مريم
مَنْ مِنَ البشر يستطيع أن يصف العلاقة التي تربط العذراء مريم أُمّ الله –السماء الثانية– بابنها وحبيبها ومخلّصها؟
شيء يفوق الإدراك، فهي عَرَفَتْه كما لم يعرفه بَشَر مِن قَبلها أو بعدها.. فهي وحيدة في طريقة معرفتها له.. إذ حملته في أحشائها ومستودعها دائم البتولية، حملته كجنين، تسعة أشهر كاملة، وعلاقة الأم بجنينها شيء يصعُب التعبير عنه.. فهي أحاسيس داخلية غاية في العُمق يَعسُر أن يُعبَّر عنها بألفاظ. فإن كان هذا مع الأمومة الطبيعيّة فكَم يكون مع العذراء المُقدَّسة نفسًا وروحًا، والمُرهَفَة الحِسّ الطاهر أكثر من الخليقة كلّها؟ فهي إذن أمور عالية عن الفكر لأنّها ارتفعَت أكثر من السموات!!
في إطار هذه العلاقة الفريدة، تمتّعت الأمّ بالخلاص الذي صنعه ابنها وحبيبها، وبينما كان العالم يفرح لقبوله الخلاص والابن مُعَلّق على الصليب يدفع بدمه الغالي ثمن خطايا العالم، كانت أحشاء الأم تلتهب بنار لا توصَف، عندما تعلّقت عيناها بالذي عُلِّق على خَشَبة.
تَسبحةُ العذراء التي نالَت نعمة الخلاص من جِذر الخطيّة المنحدِر إليها مِن آدم، فقد سَرَى الموت بإنسان واحد واجتاز إلى جميع الناس، فهي قَد ورثَتْ عن آدم الطبيعة البشريّة التي يعمل فيها الموت، ولكنّها أدركَتْ قبل كلّ أحد أنّها حملَت في أحشائها آدم الثاني الذي فيه يقوم الكلّ، وإن كان بخطيّة واحد جُعِل الكثيرون خطاةً، فكَم بالحريّ بِبِرّ الواحد يُجعَل الكثيرون أبرارًا.
العذراء هي أوّل مَن قطفَ ثمرَ الخلاص، وأوّل مَن نطق تسابيح الخلاص بالروح قبل أن يُصلَب الربّ، بل قبل أن يولد من بطنها. فقد سبّحت تسبحتها والمسيح جنين في بطنها. فهي به فيها أدركَتْ الخلاص. ومِلؤها من الروح القدس الذي حلّ عليها، وقوّة العلي التي ظلّلتها، فاض في قلبها كلام التسبيح، لتُمَجِّد الذي افتدى البشريّة بصليبه.
بدأت تسبحةُ العذراء القديسة تُعظِّم الرب، وترفعه وتمجّده لأنّه صانع العجائب وحدَه. وقد أكمل كلّ مواعيده الصادقة. ثم أعلَنت بهجة الخلاص بالروح قائلة: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي» (لو1: 47). فبهجة الخلاص روحيّة خالصة، وفرح الخلاص لا يُعبِّر عنه ولا يعرفه سوى الروحيّون.
+ العذراء في تسبحتها، تُمَجِّد الذي نظر إلى اتضاع أَمَتِه، فهي العبدة والأم معًا، وقد حباها الله بقدرٍ من الاتضاع استطاعت به أن ترتفع أعلى من السموات «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ» (لو18: 14). وبقدر الاتضاع يكون الارتفاع. فمَن يقدِر أن يصف مقدار ارتفاع السماء الثانية، وبهذا القدر هي متواضعة، أليسَتْ هي الحمامة الحَسَنة الوديعة؟!
+ «صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ»، هكذا قالت الأم، لقد تأوَّه إشعياء في القديم قائلاً: «لِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» (إش53: 1). فلم يكن من يَفهَم هذا الاستعلان، أو هذا الظهور في الجسد، لأنّ الربّ شمّر عن ذراعه للخلاص، أي الحياة المَخفِيّة أُعلِنَت، ولكن لِمَنْ؟ أمّا العذراء القديسة أُمّ الإعلانات السماويّة، فهي باكورة البشر في استعلان غوامض حكمة الله، وهي أوّل مَن أحَسّ بذراع الربّ التي تُخَلِّص وتصنع قوّة.
+ «عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ... كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ». المواعيد العُظمَى والثمينة التي اشتهى الآباء تكميلها رأتها العذراء رؤى العين، قبل أن يراها بشرٌ أو يستجلي معناها ملائكة السماء.
فأوّل من أحسّ بنبض الخلاص كانت هي العذراء، وأول من نظر شمس البِرّ كانت عيناها الطاهرتين، وأول مَن قَبِلَ الابن مُتجسِّدًا للخلاص كانت هي، وأوّل مَن احتضنته وحملتْه على ذراعيها كانت الأم القديسة في كلّ شيء، ومِنها صار في متناول كلّ مَن يطلبه ويدعوه باسمه، وكلّ مَن أراد أن يأخذه ويحتضنه أخذه من يدها الطاهرة.
طوبى للأجيال التي تُطَوِّبها.. بل ستطوبها جميع الأجيال إلى مجيء الرب.
~~~~~~~~~
صلاة زكريّا الكاهن
«مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ... خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا...» (لو1: 68–79). هذا التسبيح النبوي من فم زكريّا الكاهن، الذي انفتحَ فَاه بعد أن بقِيَ صامتًا تسعة أشهر، هذا التسبيح العالي نستطيع أن نَشتَمّ فيه رائحة العذراء القديسة وروحها.. لقد سبّحَت العذراء تسبحتها في بيت زكريا الكاهن عندما دخلَت وسلّمت على أليصابات.. كان يوحنا المعمدان جنينًا ابن سِتّة أشهُر في بطن أمّه، حين رقص أمام تابوت العهد الجديد بابتهاج، فى هيكل الكهنوت القديم، أيْ أحشاء أليصابات العاقر.. وقد تعزّى الكاهن الشيخ وهو يَستمِع إلى أمّ الله تقول تسبحتها، وعندما نطق لسانه من بعد البَكَم، كان صَدَى تسبيح العذراء مازال يرنّ ويحرك أوتار روحه، فجاءت لغته في التسبيح وقد انطبع عليها نبرات صوت الأم والهيكل الجديد.
فهو يتكلّم عن الخلاص، ويتكلّم عن رحمة الله، وعهد الله المُقدّس، والقَسَم الذي حلفه لإبراهيم.. أليس هذا روح تسبحة العذراء.
زكريّا يستلهِم أيضًا آخِر ضوء من العهد القديم بفم ملاخي «وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ» (4: 2) فيقول: «افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ» الذي هو أيضًا قول إشعياء: «اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ» (إش9: 2).
كلّ هذا وشمس البِرّ لم يكن قد أشرق جسديًّا مِن العذراء، إذ أنّ هذا حدث في بيت لحم بعد سِتّة أشهر.
زكريّا الكاهن أيضًا تَنَبّأ بالروح عن يوحنّا كيف أنّه يُعطِي الشعب معرفة الخلاص بمغفرة الخطايا.. وهو عمل الكرازة والمُناداة بالتوبة، وإعلان المسيح وتقديمه للعالم.
+ طوباك أيها الكاهن الشيخ الذي استحقّ أن يكون أبًا لأعظَم مواليد النساء.. طوباك يا مَن حفظتَ أمانة الكهنوت في جيل مُلتوٍ ومُعوَج، وفي وسط الفريسيّين المُرائين والناموسيّين والكهنة ورؤساء الكهنة، الذين سَدّوا آذانهم عن الحقّ بل وقفوا ضدّ الحقّ، بل صادَروا تعليم المُعلِّم الإلهي الحقيقي، بل رفضُوا مشورة الله مِن جِهة أنفسِهم، بل صلبوه وقبلوا أن يصير دمه عليهم وعلى أولادهم.. أمّا أنت يا كاهن الله العلي فقد صِرتَ شاهدًا أمينًا، كما شهدَ عنكَ الروح أنّك وزوجتك الشيخة الوقورة أنّكما كنتما بارَّيْن أمام الله، سالكَين في جميع أحكام ووصايا الرب بلا لوم.
~~~~~~~~
صلاة سمعان الكاهن
«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ». (لو2: 29–32).
«كَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْه... أَنَّهُ سيَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ».. طوباه. فظَلّ مَحبوسًا في الجسد منتظرًا بالرجاء تحقيق الوعد الإلهي.. فلمّا نظر المسيح الإله المتجسِّد مَحمولاً على مَركَبَة الشاروبيم الجديدة، تحمله العذراء على ذراعيها.. انفتحَتْ عيناه الكليلتان.. فبنور الرب أبصر النور.
ولكن هل يستطيع أحد أن يرى الطفل الإلهي ولا ينجذِب إليه؟ حاشا.. أيستطيع سمعان الشيخ أن ينظره فقط ولا يحمله على ذراعيه؟ هل يكفيه مجرّد الرؤيا؟ هل تَشبَع النفس الذي طال انتظارها قائلة: كلّتْ عيناي من انتظار أقوالك؟ هل يُشبِعها مُجرَّد الرؤيا؟
لقد حمله سمعان على ذراعيه من يدي العذراء الأم.. خلاص المسيح ليس للمتفرجِّين أو الناظرين مِن بُعد.. المسيح جاء في الجسد لكي نراه، بل ونلمسه، بل ونحتضنه، بل ونأكله أكلاً.. إنّنا ننجذِب إليه بقوّة لا تقاوَم.. «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ» (يو6: 44).. «وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ» (يو12: 32).
+ فلمّا احتضنه واستنشق رائحة الحياة الأبديّة فيه، فتح فاه بتسبحتِهِ التي صارت جزءًا ختاميًّا للتسبحة اليوميّة في الكنيسة. بل أنّ الكاهن يحمِل البشارة (كلمة الله) على ذراعيه ويطوف حول المذبح قبل قراءة الإنجيل ويقول نفس الصلاة: الآن تُطلِق... .
سمعان الشيخ رأى المسيح مُتجسِّدًا وقال: «عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ»، فهو إذن رأى الخلاص.. رأى الصليب، بل رآه علامةً تُقاوَم.. رأى علامة ابن الإنسان.
طوباك يا سمعان الشيخ، الكاهن الإنجيلي المؤتمَن والأمين في ترجمة كلّ كلمة، بل وكل حرف.. طوبى لعينيك اللتين أبصرتا الخلاص وامتلأتا من النور الحقيقي. وطوباك يا مَن اشتهيتَ أن تنطلِق مِن سجن الجسد، في زمان كان الجسد فيه هو كلّ رأس مال الناس.
(يُتّبَع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك