كلمات روحيّة للحياة
سبت الفرح
-4-
بعد أن أَكمَل المسيح الفداءَ على الصليب، ومات بالجسد وانفصلت نفسه عن جسده، إذ لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده. أنزلوه عن الصليب ووضعوه في القبر الجديد الذي ليوسف الرامي الرجل القدّيس، أمّا النفس المتّحدة باللاهوت فقد ظَنّ الشيطان أنّها كباقي البشر الذين في حال موتهم فإنّه يَقبض على النفس ويستودعها سجن الأرواح، كصاحب سلطان، إذ أَخضَعَتْ البشرية نفسها له بطاعة الغواية ومخالفة وصية الله.
فلمّا هَمّ الشيطان بالقبض على نفس ابن الله القدوس الذي بلا خطيّة، ظانًّا أنّه خاضعٌ لسلطانه، إذ أُغلِق على الكلّ تحت الخطيّة.. صار الشيطان مُتَعَدِّيًّا على المسيح البريء بغيرِ حقٍّ، وهنا صار الشيطان تحت وطأة دينونة عادلة، إذ صار متعديًا على الحقّ. وهنا سَحَقَه المسيح، وكَسَرَ شوكة الموت وسحق سلطان الجحيم. ويقال أنّه كسر أبواب السجن، ومتاريسه الحديديّة والنحاسيّة (كرمز عن ما كان حادثًا روحيًّا، إذ أنّ الشيطان كان بقبضةٍ قويّة يَحجِز الأرواح في حبسِهِ، كصاحب ولاية على البشريّة الساقطة في يده والمُطيعة لغوايته).
ولمّا انكسر سجن الأرواح هذا الذي يُقال له الجحيم، كما نقول في القُدّاس الإلهي عن ربّنا أنّه نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب. فهو لم ينزل كسَجِين يُضَاف إلى قائمة الأسماء التي في السجن، بل نزل كمُخَلِّص للمَسبيّين، ومُقيم الموتى ومُنهِض الذين طال بهم الزمن في انتظار الفادي والمُخَلِّص. فلمّا انكسر السِّجن انفلتَتْ بعض أرواح الأبرار، وقامَتْ بالفعل لابسة أجسادها، كعربون القيامة التي صنعها المسيح ابن الله.
وقد ترجمَتْ كنيستنا المُقَدّسة هذا الإيمان إلى ممارسةٍ في العبادة والتسبيح لصانع الخلاص ومُقيم نفوسنا من الفساد. وذلك في ليلة من أشهى ليالي العُمر. بل قُلْ إنّها السماء بعينها، يحياها المفديُّون كعربون حقيقي لملء القيامة في المسيح يسوع. وهذا ما نحياه في سبت الفرح في طَقْس حيّ مُشبِع يَملأ النفس عزاءً وسرورًا.
فما أن مات المسيح وصنع الفداء، حَتَى سَرَتْ الحياة في جَسَد البشريّة المَيِّت. فموتُ المسيح مُحيِي، لأنّه بالموت داس الموت. لذلك تُحضِر الكنيسة في هذه الليلة جميع النفوس التي حصلَتْ على القيامة من الموت، تحت الرموز والظلال في العهد القديم، تُحضرهم ليقوموا بالتسبيح كباكورة المَفديّين.. لقد تمتّعوا بالخلاص قبل الأزمنة، هؤلاء صرفوا مُقدَّمًا من رصيد موت المسيح وقيامته، الذي كان مَخزونًا عند الله، وأُظهِر لنا في ملء الزمان بتجسُّد الكلمة الأزلي، وقد صار لنا بصليبه الحقّ في بِرّه الذي سَتَرَ به خطايانا.. وليس خطايانا فقط بل خطايا العالم كلّه. فموسى عبد الرب الذي قاد العبور العظيم بشعب الله، وعمّدهم في البحر الأحمر والسّحاب، وصنع الفصح، وعَبَرَ ملاك الموت فلم يمسّ الأبكار، يقِف ليُسبِّح تسبحته في وسط الكنيسة.
فإنْ راجعتها جميعًا ستجدها قصصَ خلاصٍ وقيامةٍ مِن الموت بصُوَرٍ مختلفة، بقوّة إلهيّة فائقة واقتدار الله، يسندها إيمان الأبرار في الله الذي يقيم من الأموات. وهكذا كأنّ الكنيسة تَختَزِل الزمن وتُحضِر جميع الذين ترجّوا الخلاص وتشهَد لهم كيف نالوا، قبل الأوان، مِن الخلاص الأبدي الذي صنعه المسيح بالصليب.
هنا يبدو حقًّا أنّ المسيح له المجد جمع كلّ شيء في نفسه، ومِنه وبه قد صار الكلّ، وهو رأس جسد الكنيسة سواء في القديم أو الحديث، لا فرق.
تَفتَح الكنيسة خورس التسبيح بإمام المسبّحين داود، حين يقف في الوسط، ويُرَنِّم مزمور الغلبة على جليات، الذي هو رمزٌ للعدوّ المتجبِّر، الذي عيّر صفوف الله الحيّ، ليس لأربعين يومًا بل منذ البدء.
ومِن بعدهم، كلّ مَن نالوا عربون القيامة، فتأتي تَسبحة الثلاثة فِتية الذين حصلوا على حياة في وسط الأتون، وصارت النار عادِمة القوّة بالنسبة لهم. وحَنّة أمّ صموئيل التي أخذَت حياة من مستودع مَيِّت وسبّحَتْ قائلةً: الربُّ يُمِيت ويُحيِي.
وتقِف أيضًا سوسَنّة العفيفة، فتشهَد كيف سِيقَتْ إلى الموت، مِن قُضَاة الظلم أولاد اللعنة ونسل كنعان، ثم كيف تخلَّصَتْ ونالَتْ حياةً، كأنّها قيامة على يد دانيال النبيّ. وهكذا باقي أبرار العهد القديم، كحزقِيَّا الملك الذي بعد أن صدر حكم موته عاد فحصل على حياة جديدة خمسة عشر عامًا. ومَنَسَّى الملك بالتوبة كيف تجدّدَتْ حياته..
«هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا» (عب11: 13)، نالوا عربون القيامة قبل الأزمنة.
وكأنّ الكنيسة في هذه الليلة تَعرِض لأعضاءٍ مُكَرَّمة ومقدّسة فيها، نالَت عربون الملكوت وماتت على الرجاء، ولكنّها حيّة بالمسيح، بل أحياها المسيح بموته وأقامها بقيامته.
الليلة إذن ليلة خلاص والتمتُّع بعمل الصليب، لكلّ من جاز الرجاء والإيمان، ولكلّ مَن يدعُو باسم الربّ مخلّصنا.
ثم بعد أن تَكمُل التسابيح تنفتِح أبواب السماء، لقد فتح المسيح باب الفردوس وأعاد آدم وبنيه، كما قال يوحنا الرائي: «وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ» (رؤ4: 1). فتَضَع الكنيسة سبع منائر، ويكون القسوس جالسين على كراسيهم، على رَسْمِ الطغمة السمائيّة المؤلَّفة من الأربعة والعشرين قسّيسًا. ويُرفَع البخور مِن المجامِر كما وَرَدَ ذِكر ذلك في السماء. ويُكرَّر السجود متواترًا كمّا قَدَّمَتْ القوّات السمائيّة سجودها للجالس على العرش.
أمّا ألحان هذا اليوم فهي تسري في الكنيسة كسريان الحياة ذاتها، وهي تتحوّل مِن حُزن الآلام إلى نصرة القيامة وفرح القيامة، وهي أشبَه بانقشاع الظُّلمة وبزوغ الفَجر.
فهيّا نحيا بالروح الواحد مع زُمرة القديسين الذين أشرقَ الربّ عليهم.. هيّا نَعِي تسبيحهم، وما حوَى من عناصر الإيمان والرجاء الذي به.
مسكين هو الإنسان الذي لا يتنعَّم بهذا الميراث الغَنِي، الذي هو شبع الروح، ونعيم الفردوس الجديد.
الهوس الثالث (تسبحة الثلاثة فتية القديسين)
يقرأون في نبوّة دانيال النبي، في الأصحاح الثالث، قصّة الثلاثة فتية القدّيسين، وهي مِن أعجب قِصَص الخلاص. كما شهد بذلك الملك الوثني نبوخَذنصَّر قائلاً: «لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَ هكَذَا» (دا3: 29).
وهذه القصة تحوِي أقوَى مُقوِّمات وركائز الخلاص:
1- الخلاص بالإيمان بالله والتمسُّك باسمه، مهما بَلَغَ تهديد العالم، وتَجَبُّر رئيس هذا العالم المُشَبَّه بنبوخَذنصَّر، إذ حَمِيَ غضبُهُ جِدًّا، وأمَرَ أن يُحَمَّى الأتون حتى صار تسعة وأربعين ذِراعًا، أي سبعة أضعاف، وهو أقصى ما تصل إليه قوّة الموت وطُغيان الشيطان. ولكنّ التمسُّك بالله كان سند الثلاثة فتية.
2- حياة الطهارة التي عاشها الثلاثة فتية القديسين –رغم كونهم أسرى حرب– ولكن عدم خضوعهم وعدم قبولهم لمفاهيم العالم، وحِفظ أجسادهم من الدنس، فلم يتنجّسوا لا بالمآكل ولا بالخمر ولا بالزِّنى، الذي كان العُرف السائد في قَصر الملك، بل تَمَسّكوا بالصوم وأعمال الإماتة والنسك والتقديس، جعلَهُم على مستوى العمل الخلاصي، واستحقوا أن يعاينوا ابن الله في وسط أتون النار، والواقع أنّهم رأوه وعاشوا معه قبل أن يدخلوا الأتون، إذ قالوا للملك: «هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا». وهذه الكلمة تعني أنّهم أشاروا إلى غير المنظور بالنسبة للملك ورؤسائه، أما هُم فكانوا ينظرونه بعين الإيمان ويلمسون حضوره، لذلك قالوا للملك: «لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ»، إذ حسبوا أنّ إلههم يدافع عنهم وهم صامتون، كقول موسى رئيس الأنبياء.
3- الخلاص أولاً وأخيرًا كائن في حضور الله، في نزولِهِ ليُنَجِّي ويُخَلِّص ويحوِّل الواقع المادي المُخِيف إلى نُصرة، ما بعدها نُصرة. وكم تختلف طُرُق الله في الخلاص عن طُرُق البَشَر، إذ تأتي على غير توقُّع من البشر، فلم يطفئ الله نار الأتون، ولم يُهلِك الملك العاتي، ولم يُغَيِّر شيئًا من الواقع الذي يبدو لا مفرَّ مِنه.. أبقى كلّ شيء، وجاء في وسط الأتون.. فصار الفِتية يتمشّون معه، في حضرته، في عِزّةِ مَجدِه وبهجة الوجود في قُربِهِ.. تجاوزوا الواقع، رفعَهم إلى السماء، فسبَّحوه ومجَّدوه بكلّ أنواع التسبيح.. بل أشركوا الخليقة كلّها في تسبيحه.
4- كانت نار الأتون شديدة، لدرجة أنّها أهلكَتْ الرجال الذين ألقوا الثلاثة فتية فيها.. بينما لم تأتِ رائحة النار على الثلاثة فتية الأطهار.. وهذا هو العَجَب.. صارت النار بلا قوّة.. وهُم عاشوا في وسطها. لم تَغلِب النار قوّة الحياة التي فيهم.
هذا واقِع لابد أن ندركه.. أن نَحيا في العالم المليء بنار شهوات مُخيفة، ونار طمع وخبث وكذب وكلّ أنواع الشرور، ولكن لا تأتي رائحة النار علينا، ولا تقتل حياتنا. هذا هو الخلاص الذي صنعه المسيح -عمانوئيل، الله معنا– في وسط أتون العالم، قائمٌ من الأموات، غالبٌ الجحيم بكلّ لهيبه، وكاسرٌ شوكة الموت..
نجاة الثلاثة فِتية كان عربونًا لخلاصنا.. فعلى نفس المستوى الإعجازي، يُخَلِّص الربُّ أولاده، وينجّيهم وينقذهم من هذا العالَم الشرّير.
وعلى ذات المستوى الإعجازي تعيش الكنيسة بالمسيح القائم فى وسطها، تُسَبِّحه وتُمَجِّده وتُزيده عُلُوًّا، لأنّه جعل أبواب الجحيم لا تَقوَى عليها. ثم انظُر كيف تُعَبّر الكنيسة عن كلّ هذا في ليلة الخلاص هذه، التي فيها نزل الربُّ إلى الجحيم، وسَبَى سَبيًا، وكَسَرَ سجن الأرواح.. تُعَبِّر عنه الكنيسة بألحان ونغمات هي أغلى وأروع ألحانها. لقد نزل الرب إلى الجحيم ليُخَلِّص الثلاثة فِتية القدّيسين الذين آمنوا به واتّكلوا عليه.. إنّ أروع ألحان الكنيسة، اختبرَتْها الكنيسة لتسبّح المسيح وتُمَجِّد الثلاثة فِتية القديسين. فقد فاقت ألحان الهوس الثالث في نغماتها وتأثيرها الروحي المُنعِش فوق كلّ قياس. فمَن يُصلِّي الهوس الثالث بإدراك روحي يعيش لحظات السماء وهو على الأرض.
5- ثم أمرٌ آخر جدير بالاعتبار، هو اتّضاع الثلاثة فتية الأطهار الذي يفوق العقل، وهو الطريق الحقيقي للتمتُّع بالخلاص، فقد وَضعوا أنفسهم في آخِر قائمة التسبيح، لم يكونوا يحسِبون ذواتهم، أو كما قال القديس بولس الرسول: «لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي» (أع20: 24).
نعم.. ألَمْ يبذلوا نفوسهم للموت؟ فكلّ مَن يَعِي قوّة الخلاص ويتمتّع بها، ويرتبط بالمُخَلِّص ارتباطًا روحيًّا حقيقيًّا، يحيا حياة المَسكَنَة بالروح والاتضاع، كمثل مخلّصه الوديع والمتواضع القلب. فالقديسون جميعًا يربطهم هذا العامِل المشتَرَك، فليس بين القديسين مَن هو مُعتَدّ بذاته أو مُفتخِر بذاته، أو طالب مجدَ نفسِه، أو راغب في مجد العالم.
فإن كان الثلاثة فتية القدّيسين قد حظوا بهذا النصيب الفائق من الخلاص العجيب، بسبب إيمانهم في الله وتمسُّكهم بوصاياه. وقد أسلموا نفوسهم للموت محبةً فيه وإكرامًا لاسمه القدُّوس. وهُم واثقون أنّه ينجّيهم وينقذهم.. فكم يكون الحال معنا نحن الذين نؤمن بمَن أقام يسوع ربنا من الأموات، وأحيانا معه، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات.
يا للفرح الذي يغمر نفوسنا في هذه الليلة ونحن نتمتّع بنصيبنا في المسيح الذي داس الموت وسحق الشيطان.
(يُتّبَع)
سبت الفرح
-4-
بعد أن أَكمَل المسيح الفداءَ على الصليب، ومات بالجسد وانفصلت نفسه عن جسده، إذ لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده. أنزلوه عن الصليب ووضعوه في القبر الجديد الذي ليوسف الرامي الرجل القدّيس، أمّا النفس المتّحدة باللاهوت فقد ظَنّ الشيطان أنّها كباقي البشر الذين في حال موتهم فإنّه يَقبض على النفس ويستودعها سجن الأرواح، كصاحب سلطان، إذ أَخضَعَتْ البشرية نفسها له بطاعة الغواية ومخالفة وصية الله.
فلمّا هَمّ الشيطان بالقبض على نفس ابن الله القدوس الذي بلا خطيّة، ظانًّا أنّه خاضعٌ لسلطانه، إذ أُغلِق على الكلّ تحت الخطيّة.. صار الشيطان مُتَعَدِّيًّا على المسيح البريء بغيرِ حقٍّ، وهنا صار الشيطان تحت وطأة دينونة عادلة، إذ صار متعديًا على الحقّ. وهنا سَحَقَه المسيح، وكَسَرَ شوكة الموت وسحق سلطان الجحيم. ويقال أنّه كسر أبواب السجن، ومتاريسه الحديديّة والنحاسيّة (كرمز عن ما كان حادثًا روحيًّا، إذ أنّ الشيطان كان بقبضةٍ قويّة يَحجِز الأرواح في حبسِهِ، كصاحب ولاية على البشريّة الساقطة في يده والمُطيعة لغوايته).
ولمّا انكسر سجن الأرواح هذا الذي يُقال له الجحيم، كما نقول في القُدّاس الإلهي عن ربّنا أنّه نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب. فهو لم ينزل كسَجِين يُضَاف إلى قائمة الأسماء التي في السجن، بل نزل كمُخَلِّص للمَسبيّين، ومُقيم الموتى ومُنهِض الذين طال بهم الزمن في انتظار الفادي والمُخَلِّص. فلمّا انكسر السِّجن انفلتَتْ بعض أرواح الأبرار، وقامَتْ بالفعل لابسة أجسادها، كعربون القيامة التي صنعها المسيح ابن الله.
وقد ترجمَتْ كنيستنا المُقَدّسة هذا الإيمان إلى ممارسةٍ في العبادة والتسبيح لصانع الخلاص ومُقيم نفوسنا من الفساد. وذلك في ليلة من أشهى ليالي العُمر. بل قُلْ إنّها السماء بعينها، يحياها المفديُّون كعربون حقيقي لملء القيامة في المسيح يسوع. وهذا ما نحياه في سبت الفرح في طَقْس حيّ مُشبِع يَملأ النفس عزاءً وسرورًا.
فما أن مات المسيح وصنع الفداء، حَتَى سَرَتْ الحياة في جَسَد البشريّة المَيِّت. فموتُ المسيح مُحيِي، لأنّه بالموت داس الموت. لذلك تُحضِر الكنيسة في هذه الليلة جميع النفوس التي حصلَتْ على القيامة من الموت، تحت الرموز والظلال في العهد القديم، تُحضرهم ليقوموا بالتسبيح كباكورة المَفديّين.. لقد تمتّعوا بالخلاص قبل الأزمنة، هؤلاء صرفوا مُقدَّمًا من رصيد موت المسيح وقيامته، الذي كان مَخزونًا عند الله، وأُظهِر لنا في ملء الزمان بتجسُّد الكلمة الأزلي، وقد صار لنا بصليبه الحقّ في بِرّه الذي سَتَرَ به خطايانا.. وليس خطايانا فقط بل خطايا العالم كلّه. فموسى عبد الرب الذي قاد العبور العظيم بشعب الله، وعمّدهم في البحر الأحمر والسّحاب، وصنع الفصح، وعَبَرَ ملاك الموت فلم يمسّ الأبكار، يقِف ليُسبِّح تسبحته في وسط الكنيسة.
فإنْ راجعتها جميعًا ستجدها قصصَ خلاصٍ وقيامةٍ مِن الموت بصُوَرٍ مختلفة، بقوّة إلهيّة فائقة واقتدار الله، يسندها إيمان الأبرار في الله الذي يقيم من الأموات. وهكذا كأنّ الكنيسة تَختَزِل الزمن وتُحضِر جميع الذين ترجّوا الخلاص وتشهَد لهم كيف نالوا، قبل الأوان، مِن الخلاص الأبدي الذي صنعه المسيح بالصليب.
هنا يبدو حقًّا أنّ المسيح له المجد جمع كلّ شيء في نفسه، ومِنه وبه قد صار الكلّ، وهو رأس جسد الكنيسة سواء في القديم أو الحديث، لا فرق.
تَفتَح الكنيسة خورس التسبيح بإمام المسبّحين داود، حين يقف في الوسط، ويُرَنِّم مزمور الغلبة على جليات، الذي هو رمزٌ للعدوّ المتجبِّر، الذي عيّر صفوف الله الحيّ، ليس لأربعين يومًا بل منذ البدء.
ومِن بعدهم، كلّ مَن نالوا عربون القيامة، فتأتي تَسبحة الثلاثة فِتية الذين حصلوا على حياة في وسط الأتون، وصارت النار عادِمة القوّة بالنسبة لهم. وحَنّة أمّ صموئيل التي أخذَت حياة من مستودع مَيِّت وسبّحَتْ قائلةً: الربُّ يُمِيت ويُحيِي.
وتقِف أيضًا سوسَنّة العفيفة، فتشهَد كيف سِيقَتْ إلى الموت، مِن قُضَاة الظلم أولاد اللعنة ونسل كنعان، ثم كيف تخلَّصَتْ ونالَتْ حياةً، كأنّها قيامة على يد دانيال النبيّ. وهكذا باقي أبرار العهد القديم، كحزقِيَّا الملك الذي بعد أن صدر حكم موته عاد فحصل على حياة جديدة خمسة عشر عامًا. ومَنَسَّى الملك بالتوبة كيف تجدّدَتْ حياته..
«هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا» (عب11: 13)، نالوا عربون القيامة قبل الأزمنة.
وكأنّ الكنيسة في هذه الليلة تَعرِض لأعضاءٍ مُكَرَّمة ومقدّسة فيها، نالَت عربون الملكوت وماتت على الرجاء، ولكنّها حيّة بالمسيح، بل أحياها المسيح بموته وأقامها بقيامته.
الليلة إذن ليلة خلاص والتمتُّع بعمل الصليب، لكلّ من جاز الرجاء والإيمان، ولكلّ مَن يدعُو باسم الربّ مخلّصنا.
ثم بعد أن تَكمُل التسابيح تنفتِح أبواب السماء، لقد فتح المسيح باب الفردوس وأعاد آدم وبنيه، كما قال يوحنا الرائي: «وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ» (رؤ4: 1). فتَضَع الكنيسة سبع منائر، ويكون القسوس جالسين على كراسيهم، على رَسْمِ الطغمة السمائيّة المؤلَّفة من الأربعة والعشرين قسّيسًا. ويُرفَع البخور مِن المجامِر كما وَرَدَ ذِكر ذلك في السماء. ويُكرَّر السجود متواترًا كمّا قَدَّمَتْ القوّات السمائيّة سجودها للجالس على العرش.
أمّا ألحان هذا اليوم فهي تسري في الكنيسة كسريان الحياة ذاتها، وهي تتحوّل مِن حُزن الآلام إلى نصرة القيامة وفرح القيامة، وهي أشبَه بانقشاع الظُّلمة وبزوغ الفَجر.
فهيّا نحيا بالروح الواحد مع زُمرة القديسين الذين أشرقَ الربّ عليهم.. هيّا نَعِي تسبيحهم، وما حوَى من عناصر الإيمان والرجاء الذي به.
مسكين هو الإنسان الذي لا يتنعَّم بهذا الميراث الغَنِي، الذي هو شبع الروح، ونعيم الفردوس الجديد.
الهوس الثالث (تسبحة الثلاثة فتية القديسين)
يقرأون في نبوّة دانيال النبي، في الأصحاح الثالث، قصّة الثلاثة فتية القدّيسين، وهي مِن أعجب قِصَص الخلاص. كما شهد بذلك الملك الوثني نبوخَذنصَّر قائلاً: «لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَ هكَذَا» (دا3: 29).
وهذه القصة تحوِي أقوَى مُقوِّمات وركائز الخلاص:
1- الخلاص بالإيمان بالله والتمسُّك باسمه، مهما بَلَغَ تهديد العالم، وتَجَبُّر رئيس هذا العالم المُشَبَّه بنبوخَذنصَّر، إذ حَمِيَ غضبُهُ جِدًّا، وأمَرَ أن يُحَمَّى الأتون حتى صار تسعة وأربعين ذِراعًا، أي سبعة أضعاف، وهو أقصى ما تصل إليه قوّة الموت وطُغيان الشيطان. ولكنّ التمسُّك بالله كان سند الثلاثة فتية.
2- حياة الطهارة التي عاشها الثلاثة فتية القديسين –رغم كونهم أسرى حرب– ولكن عدم خضوعهم وعدم قبولهم لمفاهيم العالم، وحِفظ أجسادهم من الدنس، فلم يتنجّسوا لا بالمآكل ولا بالخمر ولا بالزِّنى، الذي كان العُرف السائد في قَصر الملك، بل تَمَسّكوا بالصوم وأعمال الإماتة والنسك والتقديس، جعلَهُم على مستوى العمل الخلاصي، واستحقوا أن يعاينوا ابن الله في وسط أتون النار، والواقع أنّهم رأوه وعاشوا معه قبل أن يدخلوا الأتون، إذ قالوا للملك: «هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا». وهذه الكلمة تعني أنّهم أشاروا إلى غير المنظور بالنسبة للملك ورؤسائه، أما هُم فكانوا ينظرونه بعين الإيمان ويلمسون حضوره، لذلك قالوا للملك: «لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ»، إذ حسبوا أنّ إلههم يدافع عنهم وهم صامتون، كقول موسى رئيس الأنبياء.
3- الخلاص أولاً وأخيرًا كائن في حضور الله، في نزولِهِ ليُنَجِّي ويُخَلِّص ويحوِّل الواقع المادي المُخِيف إلى نُصرة، ما بعدها نُصرة. وكم تختلف طُرُق الله في الخلاص عن طُرُق البَشَر، إذ تأتي على غير توقُّع من البشر، فلم يطفئ الله نار الأتون، ولم يُهلِك الملك العاتي، ولم يُغَيِّر شيئًا من الواقع الذي يبدو لا مفرَّ مِنه.. أبقى كلّ شيء، وجاء في وسط الأتون.. فصار الفِتية يتمشّون معه، في حضرته، في عِزّةِ مَجدِه وبهجة الوجود في قُربِهِ.. تجاوزوا الواقع، رفعَهم إلى السماء، فسبَّحوه ومجَّدوه بكلّ أنواع التسبيح.. بل أشركوا الخليقة كلّها في تسبيحه.
4- كانت نار الأتون شديدة، لدرجة أنّها أهلكَتْ الرجال الذين ألقوا الثلاثة فتية فيها.. بينما لم تأتِ رائحة النار على الثلاثة فتية الأطهار.. وهذا هو العَجَب.. صارت النار بلا قوّة.. وهُم عاشوا في وسطها. لم تَغلِب النار قوّة الحياة التي فيهم.
هذا واقِع لابد أن ندركه.. أن نَحيا في العالم المليء بنار شهوات مُخيفة، ونار طمع وخبث وكذب وكلّ أنواع الشرور، ولكن لا تأتي رائحة النار علينا، ولا تقتل حياتنا. هذا هو الخلاص الذي صنعه المسيح -عمانوئيل، الله معنا– في وسط أتون العالم، قائمٌ من الأموات، غالبٌ الجحيم بكلّ لهيبه، وكاسرٌ شوكة الموت..
نجاة الثلاثة فِتية كان عربونًا لخلاصنا.. فعلى نفس المستوى الإعجازي، يُخَلِّص الربُّ أولاده، وينجّيهم وينقذهم من هذا العالَم الشرّير.
وعلى ذات المستوى الإعجازي تعيش الكنيسة بالمسيح القائم فى وسطها، تُسَبِّحه وتُمَجِّده وتُزيده عُلُوًّا، لأنّه جعل أبواب الجحيم لا تَقوَى عليها. ثم انظُر كيف تُعَبّر الكنيسة عن كلّ هذا في ليلة الخلاص هذه، التي فيها نزل الربُّ إلى الجحيم، وسَبَى سَبيًا، وكَسَرَ سجن الأرواح.. تُعَبِّر عنه الكنيسة بألحان ونغمات هي أغلى وأروع ألحانها. لقد نزل الرب إلى الجحيم ليُخَلِّص الثلاثة فِتية القدّيسين الذين آمنوا به واتّكلوا عليه.. إنّ أروع ألحان الكنيسة، اختبرَتْها الكنيسة لتسبّح المسيح وتُمَجِّد الثلاثة فِتية القديسين. فقد فاقت ألحان الهوس الثالث في نغماتها وتأثيرها الروحي المُنعِش فوق كلّ قياس. فمَن يُصلِّي الهوس الثالث بإدراك روحي يعيش لحظات السماء وهو على الأرض.
5- ثم أمرٌ آخر جدير بالاعتبار، هو اتّضاع الثلاثة فتية الأطهار الذي يفوق العقل، وهو الطريق الحقيقي للتمتُّع بالخلاص، فقد وَضعوا أنفسهم في آخِر قائمة التسبيح، لم يكونوا يحسِبون ذواتهم، أو كما قال القديس بولس الرسول: «لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي» (أع20: 24).
نعم.. ألَمْ يبذلوا نفوسهم للموت؟ فكلّ مَن يَعِي قوّة الخلاص ويتمتّع بها، ويرتبط بالمُخَلِّص ارتباطًا روحيًّا حقيقيًّا، يحيا حياة المَسكَنَة بالروح والاتضاع، كمثل مخلّصه الوديع والمتواضع القلب. فالقديسون جميعًا يربطهم هذا العامِل المشتَرَك، فليس بين القديسين مَن هو مُعتَدّ بذاته أو مُفتخِر بذاته، أو طالب مجدَ نفسِه، أو راغب في مجد العالم.
فإن كان الثلاثة فتية القدّيسين قد حظوا بهذا النصيب الفائق من الخلاص العجيب، بسبب إيمانهم في الله وتمسُّكهم بوصاياه. وقد أسلموا نفوسهم للموت محبةً فيه وإكرامًا لاسمه القدُّوس. وهُم واثقون أنّه ينجّيهم وينقذهم.. فكم يكون الحال معنا نحن الذين نؤمن بمَن أقام يسوع ربنا من الأموات، وأحيانا معه، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات.
يا للفرح الذي يغمر نفوسنا في هذه الليلة ونحن نتمتّع بنصيبنا في المسيح الذي داس الموت وسحق الشيطان.
(يُتّبَع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك