كلمات روحيّة للحياة
نحو أُسرة أرثوذكسية مقدّسة
-1-
لنبدأ بفصل الإنجيل الطاهر الذي تقرأه الكنيسة فى صلوات الإكليل المقدس لتقديس الزواج، لأنّ كلّ شيء يتقدّس بكلمة الله (الإنجيل) والصلاة (رفع البخور وطلب حلول الروح القدس).
«وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَقَالَ مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (مت19: 3–6).
فالربّ يسوع يعود بنا راجعًا إلى البدء.. إلى الأصل.
حينما خُلِقَ الإنسان على صورة الله في البِرّ والقداسة، هذا هو البدء.
وحينما صنع الله لآدم معينة نظيره وقال أبونا آدم «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي» (تك2: 23). هذا هو البدء.
أمّا ما صار بعد ذلك مِن قصة السقوط المريرة، ودخول الموت إلى العالم، وسُلطان الخطيّة، وسيادة روح الظلمة.. فقد شَوّه الأيقونة الجميلة التي هي الإنسان المخلوق على صورة الله.
قساوة القلب:
قال الرب لجماعة الفرّيسيّين حينما سألوه، مُجَرِّبين إيّاه: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟ قَالَ لَهُمْ الرب «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ» (مت19: 7، 8).
فالأمر يرجع إلى القساوة التي أصابت القلوب، فصار القلب قاسيًا مُتحجِّرًا، حتى صار يُبغِض ولا يصفح، ولا يطيق العيش مع لحمه وعظامه، كما كان منذ البدء.
وإن أردنا أن نتعمّق المعنى بالأكثر، نجد أنّ مَن يُطلِّق امرأته يكون قد أبغضها أولاً، وهو حينما تصل به البغضة إلى هذا الحد، يكون قد كسر أول الوصايا وأعظمها التي هي المحبّة «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ... وَقَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».
فالموضوع أصلاً هو القساوة والعداوة.. التي قد تَصِل بالإنسان إلى القتل والإيذاء. فلمّا تَعَامَل الناموس مع الإنسان المتردِّي في هذه القساوة بسبب ملكوت الظلمة، أذِنَ الناموس للرجل أن يُطَلِّق امرأته تفادِيًا لِمَا هو أسوأ وأكثر شرًّا.
نعمة الخلاص:
تنبـأ حزقيال النبيّ عن زمن المسيا قائلاً: «أَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ» (حز36: 26). المسيح رَدّ آدم وبنيه إلى الفردوس وأعاد خِلقتنا من جديد «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ» (2كو5: 17). فنحن مخلوقون في المسيح يسوع، و«مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى» (1بط1: 23). وقد اتّحدنا بالمسيح كما كان منذ البدء..
لقد صارت الكنيسة – عروس المسيح – «أَعْضَاء جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ» (أف5: 30) بحسب تعبير أبينا آدم، إذ صار المسيح آدم الثاني، الذي اقتنى كنيسته واشتراها بدمه.. في المسيح يسوع صارت لنا أحشاء مراحم ورأفات، بَدَل القلب الحجَري.
فكلّ مَن يحيا في المسيح يسوع لا يستطيع أن يُبغِض أو يُعَادي.. كلّ مَن هو مولود من الله يحيا في المحبّة.. محبة الله ومحبة القريب «وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا» (1يو5: 1) فلا «يُخْطِئَ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ» (1يو3: 9). وزرع الله لا توجد فيه بُغضَة ولا كراهية ولا عداوة.
الانحراف أصاب الخليقة الأولى بسبب الخطيّة التي دخلَتْ إلى العالم بحسَد إبليس، والناموس قد زيد بسبب التعدّيات وكثرة الخطايا.. والناموس هو قانون للعقوبات على التعديات، وليس له قدرة على الخلاص.
أمّا نِعمة الخلاص فهي في المسيح يسوع الذي فدانا من لعنة الناموس.
الناموس أَذِنَ بالطلاق للإنسان العتيق الساقط تحت عبوديّة الموت. أمّا النعمة فهي تَعمَل للاتّحاد والحُبّ الأبدي، وهي تتناسب مع الإنسان الجديد المتجدّد، والمخلوق والمولود ثانيةً لملكوت الله.
+ فإن كان واقعنا اليوم – بكلّ أسف – يشكو من كثرة حالات الشقاق والنزاع الأسَري، والانفصال، والتمزيق والطلاق أيضًا. فماذا نحن عاملون؟
- هل صارت قلوبنا إلى القساوة القديمة والقلوب المتحجّرة؟
- هل فقدَتْ خِلقتنا الجديدة وصورتنا الجديدة وإنساننا الجديد قوّتها وفاعليّتها؟
- والسؤال الأكثر ضرورة: وأين السرّ المقدّس؟
- وأين عمل الروح القدس الذي يُوحِّد ويُجَمِّع؟
- وأين قول الرب «ما جَمَعَهُ (أَزْوَجَهُ) اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (مت19: 6)؟
- هل مَلَكَتْ الخطيّة ثانيةً، عِوَض البِرّ الذي في المسيح؟
والأعذار كثيرة، والبحث عن كسر وصية المسيح جوهريًّا والابقاء على الشكل حادث، والتحايُل في التفسير والتأويل صار مَطلَبًا كريهًا..
ولكن كلّ هذا لن يعفي الإنسان المسيحي من الوقوف أمام كرسى المسيح. والمطلوب اليوم لا أن نبحث مشاكل الأسرة على أنّها مشاكل اجتماعية بل لنرجع إلى البدء، فهي في الأصل أسرة مسيحيّة مَبنيّة على أساس المسيح، وعلى مثال اتّحاد المسيح بالكنيسة، وكَون المسيح رأس الكنيسة وهو مُخَلِّص الجسد. فإن تَعَمّق هذا المفهوم الروحي فى الأسرة وعِشناه بوعي وإدراك، لم يَبقَ موضع للمشاكل «فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ» (أف5: 29).
فإن كان ربنا يسوع المسيح قد ردّ الإنسان إلى رتبته الأولى، ومركزه الأول، وصورته التي خَلَقَهُ عليها في البِرّ والقداسة، وإن كان الخلاص الذي صَنَعَه بصليبه هو بعينِهِ إعادة خِلقة الإنسان «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.» (2كو5: 17). لذلك فالإنسان الجديد والخليقة الجديدة صارَتْ له.
الحاجة ماسة اليوم للعمل الجادّ، لإرجاع صورة الأسرة المسيحية إلى أصلها، بأعمال التوبة والرجوع بالصوم والصلاة. التوبة لها قُدرة على ولادة الإنسان كمعموديّة ثانية، عندما أهملنا المناداة بالتوبة الحقيقيّة تفاقَمَتْ المشاكل، لأنّ الشيطان يبذُر بذور الزوان والناس نيام.
حلول مشاكل الأسرة تبدأ بالتوبة والرجوع إلى الله، وهذا هو عمل الكنيسة الرئيسي والأوحَد، حينما تدخُل كلّ بيت وتنادي مناداة الإنجيل التي كانت من البدء وتقول: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ (ملكوت الله)» (مت3: 2). فالكاهن يجِب أن يكون تائبًا يقود الناس إلى التوبة.. فعمَلُ الكاهن يختلف جذريًّا عن العمل الاجتماعي والطبّ النفسي والـMarriage Counseling فأصل الداء هو الخطيّة، التي يُغفِلها الجميع إلاّ الكاهن.. وسبب البلايا هو أنّ الزّوجين لا يعيشان حياة توبة حقيقيّة، ولا حياة المحبّة والاتضاع وإنكار الذات.. بل يتمسّكان بعناد شديد بالكرامة، والتعلُّق بالمادّيّات وملذّات الدنيا، وكلّ ما هو متعارَف عليه عند أهل العالم.
الكاهن بسلطان الروح يستطيع أن يُجدِّد بالتوبة الذين يكرز لهم، كما كان الرسل الأطهار يغيِّرون الأمم الوثنيين، فيرجِعون عن الطبع الوحشي، والعادات الرديئة، وحياة الجسد «فيتَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِهمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِهمْ» (رو12: 2). الكاهن يقود نفوس أولاده إلى التوبة والاعتراف المتواتر، وتَذَوُّق نعمة الله بالأسرار، فتُثمِر الأسرة ثمرَ الروح وحياة التّقوَى.
(يُتّبَع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك