كلمات روحيّة للحياة
سبت الفرح
-3-
وهكذا إذ ينتهي رئيس الكهنة من ترتيل المزمور 151 بباب الهيكل، أنّه يلفّ سِفر المزامير في لفافة كتّان بيضاء ويطوفون البيعة مُسبِّحين بفرحٍ الخلاص الحقيقي الذي صنعه الربّ، قائلين بلحن شجيّ بديع:
+ فلنشكر، المسيح إلهنا، مع المرتل، داود النبي. لأنّه خلق السموات، وجنودها، وأسَّس الأرض، على المياه.
+ هذان الكوكبان العظيمان، الشمس والقمر، جعلهما ينيران، في الفَلَك. أخرج الرياح، من خباياها، نفخ في الأشجار، حتى أزهرت.
+ أمطرا مطرًا، على وجه الأرض، حتى أنبتَتْ، وأعطت ثمرها. أخرج ماءً، من صخرةٍ، وسقى شعبه، في البرية.
+ صنع الإنسان، كشبهه، وصورته، لكي يباركه. فلنسبحه، ونرفع اسمه، ونشكره لأنّ رحمته، كائنة إلى الأبد.
+ بصلوات، المرتل داود، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا. بشفاعات، والدة الإله، القديسة مريم، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا.
+ بشفاعات، كلّ صفوف الملائكة، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا. مبارك أنت بالحقيقة، مع أبيك الصالح، والروح القدس، لأنك قُمتَ وخلّصتنا.
وقد سألني أحد الأحباء قائلاً: ما هو الغرض من لَفّ سِفر المزامير بالحرير، ويرفعه الكاهن على رأسه ويطوف به البَيعَة هكذا؟ فأجبتُهُ قائلاً: لقد عاشَتْ الكنيسة طوال أسبوع الآلام تتعزّى بألحان المزامير، وتتغذّى من معانيها النبويّة الفائقة للعقل، من نحو آلام مخلّصنا. فالذي قَدَّم للكنيسة هذا الغذاء الروحي، ألا يُلَفّ بالحرير، ويُرفَع فوقَ الرّأس، ويُطَاف به في البيعة تمجيدًا وعِرفانًا بالجميل وتكريمًا لروح النبوّة!!
حقًّا أنّ كنيستنا مجيدة في طقسها.
وبعد أن يطوفوا البيعة بالتسبيح والترتيل مع داود النبي الحَسَن في الترتيل، يجيئون إلى مكان التسبيح، ويبدأون بتسبيح الهوس (التسبيح) الأوّل، وهو تسبحة موسى عبد الربّ المكتوبة في خروج 15. الواقع أنّ التسبحة اليوميّة على مدار السنة تبدأ بهذه التسبحة، تسبحة عبور البحر، تسبحة الخروف المذبوح، والفداء بالدم. تسبحة المعموديّة وانكسار فرعون العقلي وغرقه في مياه البحر، تسبحة الفصح أي العبور من العبوديّة إلى الحرّيّة:
العبور من الموت إلى الحياة..
العبور من الظلمة إلى النور..
العبور من الجحيم وكور الحديد إلى الرحب وأرض الموعد..
العبور من الخوف والمذلّة إلى الطمأنينة والنعمة..
إنّها قِصّة الخلاص ذاتها، وهي رمز بديع لعمل إلهي صنعَه المسيح بدمه على الصليب، إذ هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا.. وهو الذي عَبَر بنا من الموت إلى الحياة.. وخلّص المؤمنين به مِن قسوة فرعون العقلي (الشيطان).
تعالوا نسبّح الربّ لأنّه بالمجد تَمَجَّد..
الفَرَس وراكبه طرحهما في البحر..
بالقطع انقطع ماء البحر..
صنع الرب طريقًا لشعبه – حديثًا كرّسه بالحِجاب أي بجسده (أنا هو الطريق)..
شَقّ البحر بالعَصا – أي بصليبه صَنَع الخلاص.
الخلاص غير المتوقَع، صنعه الربُّ بيمينه المُعتَزّة..
مَن في الآلهة يشبهك، يا ربُ مَن مثلك!!
نزل إلى الجحيم
«فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ ٱلْخَطَايَا، ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلْأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى ٱللهِ، مُمَاتًا فِي ٱلْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي ٱلرُّوحِ، ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلْأَرْوَاحِ ٱلَّتِي فِي ٱلسِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ ٱللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ ٱلْفُلْكُ يُبْنَى، ٱلَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِٱلْمَاءِ. ٱلَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ ٱلْآنَ، أَيِ ٱلْمَعْمُودِيَّةُ. لَا إِزَالَةُ وَسَخِ ٱلْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ ٱللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ ٱللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ، وَمَلَائِكَةٌ وَسَلَاطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ» (1بط3: 18–22).
المسيح نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب، نزل فكَرَزَ للأرواح التي في السجن في قبضة العدو، الشيطان روح الظلمة، مَلِك الخطية –دخل الموت إلى جميع الناس وبلا استثناء– لأنّه أُغلِق على الكلّ تحت الخطيّة، لقد قِيل «مَلَكَ ٱلْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى (أي قبل الناموس)» (رو5: 14). وقيل عن الشيطان أنّه رئيس هذا العالم، أُخضِعَت الخليقة له ليس طوعًا، وصارَتْ الخليقة كلّها تئن وتتمخّض معًا.
جميع أرواح الأبرار مِن آدم إلى المسيح كانت تحت قبضته محكومًا عليها، إذ حصلت في التعدِّي، وأُغلِقَ عليها في دوائر الظُّلمة. الموت هو أُجرة الخطيّة، والموت شمل الكيان الإنساني كلّه جسدًا ونفسًا وروحًا. موت الجسد هو انحلاله ورجوعه إلى التراب الذي أُخِذَ منه. أمّا موت الروح والنفس هو انفصالها عن سِرّ حياتها، وبُعدُها عن مصدر وجودها، وانحجابها بالظلمة عن التمتُّع بالنور. هذا هو الموت الذي قاساه الأبرار بالأكثر.
صارت نفوسهم مقيّدة تنتظر الانطلاق.. صارت أرواحهم تَرزَح تحت نير الظلم، رغم اشتياقهم للنور.. صاروا في قبضة إبليس، مسجونة أرواحهم ومحروسة بقوّات الظلمة، كما في سجن مُحكَم ومُشَدَّد الحراسة. الفَرق بين أرواح الآباء، الأبرار والصدّيقون، وبين الأرواح الشريرة كان كمثل مَن تجمعهم أسوار سجن واحد، بعضهم ينتظر الإفراج والخلاص، وآخَرون محكوم عليهم بسجن مؤبَّد، لا خروج منه ولا رجاء ولا بصيص أمل في النجاة.
هكذا كانت أرواح الصدّيقين تنتظر. لقد عاشوا في الإيمان. لقد قضوا أيامهم في الرجاء. قال عنهم القديس بولس الرسول وهو يستعرض حياتهم في الإيمان: «وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا. لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا... فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ» (عب11: 32–39).
في الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل مِن بعيد نظروها وصدّقوها وحَيَّوْها، وأقَرّوا أنّهم غرباء ونزلاء على الأرض.
نــــزل إلــى الجحيـــم.. هذا هو عمل المُخَلِّص، وهذا هو يوم الخلاص العتيد. استمِع إلى إشعياء الإنجيلي يَصِفّ كيف يُخَلِّص الربّ نفوس المحبوسين في الجحيم «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ» (42: 6، 7)، «وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ. فَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ... قَائِلاً لِلأَسْرَى اخْرُجُوا. لِلَّذِينَ فِي الظَّلاَمِ: اظْهَرُوا... إلى آخر الأصحاح» (49: 8-26).. كيف ينقلهم من ظلام الحبس إلى المراعى الخُضْر حيث «لاَ يَجُوعُونَ وَلاَ يَعْطَشُونَ، وَلاَ يَضْرِبُهُمْ حَرٌّ وَلاَ شَمْسٌ، لأَنَّ الَّذِي يَرْحَمُهُمْ يَهْدِيهِمْ وَإِلَى يَنَابِيعِ الْمِيَاهِ يُورِدُهُمْ».
«رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ» (إش61: 1). بل أنّ المُرَنِّم يصرخ متضرِّعًا مُخاطِبًا المُخَلِّص القادر قائلاً: «يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ، اصْغَ، يَا قَائِدَ يُوسُفَ كَالضَّأْنِ، يَا جَالِسًا عَلَى الْكَرُوبِيمِ أَشْرِقْ. قُدَّامَ أَفْرَايِمَ وَبِنْيَامِينَ وَمَنَسَّى أَيْقِظْ جَبَرُوتَكَ، وَهَلُمَّ لِخَلاَصِنَا. يَا اَللهُ أَرْجِعْنَا، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ» (مز80: 1–3). ويعود مُكَرِّرًا ذات العِبارة بعد أن بَلَغَ هُزء الأعداء مَدَاه «أَعْدَاؤُنَا يَسْتَهْزِئُونَ (بنا) بَيْنَ أَنْفُسِهِمْ. يَا إِلهَ الْجُنُودِ أَرْجِعْنَا (إلى الفردوس – إلى حالتنا الأولى -)، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ (نور القيامة)» (مز80: 7). ينتهي المزمور متوسِّلاً في ثِقة الرّجاء، المُتحرِّق شوقًا إلى الحياة باسم ابن الله «أَحْيِنَا فَنَدْعُوَ بِاسْمِكَ. يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، أَرْجِعْنَا. أَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ» (مز80: 18، 19).
مَن يَستطيع أن يَصِف شوق المحبوسين إلى يوم الانطلاق وساعة الإفراج.. شيء لا يُعَبَّر عنه!!
دهور من الظلمة، والسجن كلّ يومٍ يَكتَظّ بالمحبوسين، ولكن لم يضعُف رجاء القدّيسين، ولم يخشوا سلطان الظلام، إذ لم يُذعِنوا له وهم في الجسد ولا أطاعوه بالإرادة، إذ كان ناموس الله مسرّتهم في داخل أرواحهم، ولو أنّ ناموسًا آخَر كان يعمَل في أجسادهم يَسبيهم سَبَيًا، كقول الرسول بولس (رو7: 23).
لقد قِيل عن مخلّصنا الصالح أنّه «خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ» (رؤ6: 2). كيف نَزَل إلى أقسام الأرض السُفلى كقول الرسول؟ بأي جَبَروُت وقوّة واقتدار إلهي. فَزَعت الأرواح الشريرة في أيّام تَجَسُّده وهو قد أخلى ذاته آخِذًا شكل العبد، والأرواح النجسة حين رأته خَرّت وارتعدت «وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ (ينطقون)» (لو4: 41). فماذا كان حالهم، إذ نزل إليهم إلى حصون سجن الظلام؟
تزعزت أساسات عَتَب الهيكل عندما سمع إشعياء تسبيح الشاروبيم حول الرب الجالس على كرسيّه العالي في هيكله. فماذا حدَث عندما اقتحم الرب الغالب أسوار سجن الموت، الذي داس المعصرة وحده، وانتقم نقمة جبارة مِن قَتَّال الناس، نزل فتزلزلت الأرض، تشقّقت القبور، انهارت متاريس النحاس وأبواب الحديد، التي هي رمزٌ لقبضة الشيطان وسلطان الظلام.
مَن يُبَشِّر المسبيّين؟ جاء العريس، الخَتَن الحقيقي. لم يكُن للموت سلطان أن يمسكه.. اعتدى الموت على الحياة بغير وجه حقّ.. اعتدى الموت على غير المائت.. شوكة الموت حاولَتْ أن تؤذي غير الخاطئ فانكسرَتْ.
غَرَسُوا في جبينه إكليل شوك وحَسَك، أنبتته الأرض بالخطيّة.. رَضِيَ أن يحمل وخزَ الشوك في جسده، ولكن هو غير مُجَرَّب بالشرور، وليس فيه خطيّة. رئيس هذا العالم له في كلّ واحد شيء، أمّا المسيح وحده فقال: «رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ» (يو14: 30).
يوم النقمة قد جاء.. يوم الرجوع إلى الفردوس قد أشرَقَ.. يا للفرح العجيب عندما أشرَقَ الربُّ بوجهه على أبينا آدم وأمّنا حواء.. عاد الأصل يُشرِق على الصورة يُجَدِّدها ويُحييها.
انهضوا.. انهضوا أيّها الآباء والصدّيقون والأبرار وكلّ مَن عاش ومات على الرجاء. «انهَضوا مِن بعد جلوسِكم يا آكِلي الخُبْزَ بالهُمومِ» (مز127: 2).. «قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ (فقد جاء مخلِّصُك)، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ» (إش60: 1).
لا يستطيع قلمٌ أن يُعَبِّر عن المشاعر التي لاقَى بها يعقوب أب الأسباط ابنه يوسف الذي كان مُعتَبَرًا ميتًا، قال الكتاب: «وَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا» (تك46: 29). إن كانت هذه المشاعر البشرية لا يُمكِن أن يُعبَّر عنها، فكَم وكَم تكون رأفات حنان وأحشاء مخلّصنا، المَصدَر اللانهائي والمُذخَر فيه كلّ كنوز الحُبّ، عندما أشرَق بوجهه على قدّيسيه وأبراره المختارين، وهم كانوا موتى بالخطايا، محبوسين في الظُّلمة مَعدودين مع الهالكين.
وقع على عنقهم، يُقَبِّل ويُخلِّص، يفكّ من القيود وينجِّي من الأَسْر. الموت لا يوجَد فيما بعد، الحزن والهَمّ كلاهما مضى. لا ظلام ولا شِبه ظلام، ولا فُرقة ولا قَطِيعة، بل صانع السلام صالَحَ الأرضيّين مع السمائيّين، وجعل الاثنين واحدًا. لا حِجاب ولا حاجز، بل رفعه من الوسط مسمِّرًا إيّاه على الصليب.
أيّ شكرٍ يستطيع به القديسون أن يتقرّبوا إلى الله. إنّه الشكر الذي يسبّحون به إلى الأبد وإلى أبد الأبد، لأنّه افتداهم بدمه، واشتراهم بذبيحة نفسه، وخلّصهم وفكّهم بجبروت خلاص يمينه.
بهذه الكلمات البسيطة نودّ أن نشير، مجرد إشارة إلى العمل الخلاصي المقتدِر الذي لم تُعلَن أسراره، إلاّ في كلمات قليلة كتبها الرسل الأطهار كما أُوحِيَ إليهم، وترجمَتْها الكنيسة في طقس ليلة سبت الفرح، التي إذا عِشناها بالروح نستطيع أن نُدرِك الذي من أجله أدركَنا المسيح.
(يُتّبَع)
سبت الفرح
-3-
وهكذا إذ ينتهي رئيس الكهنة من ترتيل المزمور 151 بباب الهيكل، أنّه يلفّ سِفر المزامير في لفافة كتّان بيضاء ويطوفون البيعة مُسبِّحين بفرحٍ الخلاص الحقيقي الذي صنعه الربّ، قائلين بلحن شجيّ بديع:
+ فلنشكر، المسيح إلهنا، مع المرتل، داود النبي. لأنّه خلق السموات، وجنودها، وأسَّس الأرض، على المياه.
+ هذان الكوكبان العظيمان، الشمس والقمر، جعلهما ينيران، في الفَلَك. أخرج الرياح، من خباياها، نفخ في الأشجار، حتى أزهرت.
+ أمطرا مطرًا، على وجه الأرض، حتى أنبتَتْ، وأعطت ثمرها. أخرج ماءً، من صخرةٍ، وسقى شعبه، في البرية.
+ صنع الإنسان، كشبهه، وصورته، لكي يباركه. فلنسبحه، ونرفع اسمه، ونشكره لأنّ رحمته، كائنة إلى الأبد.
+ بصلوات، المرتل داود، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا. بشفاعات، والدة الإله، القديسة مريم، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا.
+ بشفاعات، كلّ صفوف الملائكة، يا رب أنعِم لنا، بمغفرة خطايانا. مبارك أنت بالحقيقة، مع أبيك الصالح، والروح القدس، لأنك قُمتَ وخلّصتنا.
وقد سألني أحد الأحباء قائلاً: ما هو الغرض من لَفّ سِفر المزامير بالحرير، ويرفعه الكاهن على رأسه ويطوف به البَيعَة هكذا؟ فأجبتُهُ قائلاً: لقد عاشَتْ الكنيسة طوال أسبوع الآلام تتعزّى بألحان المزامير، وتتغذّى من معانيها النبويّة الفائقة للعقل، من نحو آلام مخلّصنا. فالذي قَدَّم للكنيسة هذا الغذاء الروحي، ألا يُلَفّ بالحرير، ويُرفَع فوقَ الرّأس، ويُطَاف به في البيعة تمجيدًا وعِرفانًا بالجميل وتكريمًا لروح النبوّة!!
حقًّا أنّ كنيستنا مجيدة في طقسها.
وبعد أن يطوفوا البيعة بالتسبيح والترتيل مع داود النبي الحَسَن في الترتيل، يجيئون إلى مكان التسبيح، ويبدأون بتسبيح الهوس (التسبيح) الأوّل، وهو تسبحة موسى عبد الربّ المكتوبة في خروج 15. الواقع أنّ التسبحة اليوميّة على مدار السنة تبدأ بهذه التسبحة، تسبحة عبور البحر، تسبحة الخروف المذبوح، والفداء بالدم. تسبحة المعموديّة وانكسار فرعون العقلي وغرقه في مياه البحر، تسبحة الفصح أي العبور من العبوديّة إلى الحرّيّة:
العبور من الموت إلى الحياة..
العبور من الظلمة إلى النور..
العبور من الجحيم وكور الحديد إلى الرحب وأرض الموعد..
العبور من الخوف والمذلّة إلى الطمأنينة والنعمة..
إنّها قِصّة الخلاص ذاتها، وهي رمز بديع لعمل إلهي صنعَه المسيح بدمه على الصليب، إذ هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا.. وهو الذي عَبَر بنا من الموت إلى الحياة.. وخلّص المؤمنين به مِن قسوة فرعون العقلي (الشيطان).
تعالوا نسبّح الربّ لأنّه بالمجد تَمَجَّد..
الفَرَس وراكبه طرحهما في البحر..
بالقطع انقطع ماء البحر..
صنع الرب طريقًا لشعبه – حديثًا كرّسه بالحِجاب أي بجسده (أنا هو الطريق)..
شَقّ البحر بالعَصا – أي بصليبه صَنَع الخلاص.
الخلاص غير المتوقَع، صنعه الربُّ بيمينه المُعتَزّة..
مَن في الآلهة يشبهك، يا ربُ مَن مثلك!!
نزل إلى الجحيم
«فَإِنَّ ٱلْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ ٱلْخَطَايَا، ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلْأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى ٱللهِ، مُمَاتًا فِي ٱلْجَسَدِ وَلَكِنْ مُحْيىً فِي ٱلرُّوحِ، ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلْأَرْوَاحِ ٱلَّتِي فِي ٱلسِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ ٱللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ ٱلْفُلْكُ يُبْنَى، ٱلَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِٱلْمَاءِ. ٱلَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ ٱلْآنَ، أَيِ ٱلْمَعْمُودِيَّةُ. لَا إِزَالَةُ وَسَخِ ٱلْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ ٱللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ ٱللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ، وَمَلَائِكَةٌ وَسَلَاطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ» (1بط3: 18–22).
المسيح نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب، نزل فكَرَزَ للأرواح التي في السجن في قبضة العدو، الشيطان روح الظلمة، مَلِك الخطية –دخل الموت إلى جميع الناس وبلا استثناء– لأنّه أُغلِق على الكلّ تحت الخطيّة، لقد قِيل «مَلَكَ ٱلْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى (أي قبل الناموس)» (رو5: 14). وقيل عن الشيطان أنّه رئيس هذا العالم، أُخضِعَت الخليقة له ليس طوعًا، وصارَتْ الخليقة كلّها تئن وتتمخّض معًا.
جميع أرواح الأبرار مِن آدم إلى المسيح كانت تحت قبضته محكومًا عليها، إذ حصلت في التعدِّي، وأُغلِقَ عليها في دوائر الظُّلمة. الموت هو أُجرة الخطيّة، والموت شمل الكيان الإنساني كلّه جسدًا ونفسًا وروحًا. موت الجسد هو انحلاله ورجوعه إلى التراب الذي أُخِذَ منه. أمّا موت الروح والنفس هو انفصالها عن سِرّ حياتها، وبُعدُها عن مصدر وجودها، وانحجابها بالظلمة عن التمتُّع بالنور. هذا هو الموت الذي قاساه الأبرار بالأكثر.
صارت نفوسهم مقيّدة تنتظر الانطلاق.. صارت أرواحهم تَرزَح تحت نير الظلم، رغم اشتياقهم للنور.. صاروا في قبضة إبليس، مسجونة أرواحهم ومحروسة بقوّات الظلمة، كما في سجن مُحكَم ومُشَدَّد الحراسة. الفَرق بين أرواح الآباء، الأبرار والصدّيقون، وبين الأرواح الشريرة كان كمثل مَن تجمعهم أسوار سجن واحد، بعضهم ينتظر الإفراج والخلاص، وآخَرون محكوم عليهم بسجن مؤبَّد، لا خروج منه ولا رجاء ولا بصيص أمل في النجاة.
هكذا كانت أرواح الصدّيقين تنتظر. لقد عاشوا في الإيمان. لقد قضوا أيامهم في الرجاء. قال عنهم القديس بولس الرسول وهو يستعرض حياتهم في الإيمان: «وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا. لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا... فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ» (عب11: 32–39).
في الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل مِن بعيد نظروها وصدّقوها وحَيَّوْها، وأقَرّوا أنّهم غرباء ونزلاء على الأرض.
نــــزل إلــى الجحيـــم.. هذا هو عمل المُخَلِّص، وهذا هو يوم الخلاص العتيد. استمِع إلى إشعياء الإنجيلي يَصِفّ كيف يُخَلِّص الربّ نفوس المحبوسين في الجحيم «أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ» (42: 6، 7)، «وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ. فَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ... قَائِلاً لِلأَسْرَى اخْرُجُوا. لِلَّذِينَ فِي الظَّلاَمِ: اظْهَرُوا... إلى آخر الأصحاح» (49: 8-26).. كيف ينقلهم من ظلام الحبس إلى المراعى الخُضْر حيث «لاَ يَجُوعُونَ وَلاَ يَعْطَشُونَ، وَلاَ يَضْرِبُهُمْ حَرٌّ وَلاَ شَمْسٌ، لأَنَّ الَّذِي يَرْحَمُهُمْ يَهْدِيهِمْ وَإِلَى يَنَابِيعِ الْمِيَاهِ يُورِدُهُمْ».
«رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ» (إش61: 1). بل أنّ المُرَنِّم يصرخ متضرِّعًا مُخاطِبًا المُخَلِّص القادر قائلاً: «يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ، اصْغَ، يَا قَائِدَ يُوسُفَ كَالضَّأْنِ، يَا جَالِسًا عَلَى الْكَرُوبِيمِ أَشْرِقْ. قُدَّامَ أَفْرَايِمَ وَبِنْيَامِينَ وَمَنَسَّى أَيْقِظْ جَبَرُوتَكَ، وَهَلُمَّ لِخَلاَصِنَا. يَا اَللهُ أَرْجِعْنَا، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ» (مز80: 1–3). ويعود مُكَرِّرًا ذات العِبارة بعد أن بَلَغَ هُزء الأعداء مَدَاه «أَعْدَاؤُنَا يَسْتَهْزِئُونَ (بنا) بَيْنَ أَنْفُسِهِمْ. يَا إِلهَ الْجُنُودِ أَرْجِعْنَا (إلى الفردوس – إلى حالتنا الأولى -)، وَأَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ (نور القيامة)» (مز80: 7). ينتهي المزمور متوسِّلاً في ثِقة الرّجاء، المُتحرِّق شوقًا إلى الحياة باسم ابن الله «أَحْيِنَا فَنَدْعُوَ بِاسْمِكَ. يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، أَرْجِعْنَا. أَنِرْ بِوَجْهِكَ فَنَخْلُصَ» (مز80: 18، 19).
مَن يَستطيع أن يَصِف شوق المحبوسين إلى يوم الانطلاق وساعة الإفراج.. شيء لا يُعَبَّر عنه!!
دهور من الظلمة، والسجن كلّ يومٍ يَكتَظّ بالمحبوسين، ولكن لم يضعُف رجاء القدّيسين، ولم يخشوا سلطان الظلام، إذ لم يُذعِنوا له وهم في الجسد ولا أطاعوه بالإرادة، إذ كان ناموس الله مسرّتهم في داخل أرواحهم، ولو أنّ ناموسًا آخَر كان يعمَل في أجسادهم يَسبيهم سَبَيًا، كقول الرسول بولس (رو7: 23).
لقد قِيل عن مخلّصنا الصالح أنّه «خَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ» (رؤ6: 2). كيف نَزَل إلى أقسام الأرض السُفلى كقول الرسول؟ بأي جَبَروُت وقوّة واقتدار إلهي. فَزَعت الأرواح الشريرة في أيّام تَجَسُّده وهو قد أخلى ذاته آخِذًا شكل العبد، والأرواح النجسة حين رأته خَرّت وارتعدت «وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ (ينطقون)» (لو4: 41). فماذا كان حالهم، إذ نزل إليهم إلى حصون سجن الظلام؟
تزعزت أساسات عَتَب الهيكل عندما سمع إشعياء تسبيح الشاروبيم حول الرب الجالس على كرسيّه العالي في هيكله. فماذا حدَث عندما اقتحم الرب الغالب أسوار سجن الموت، الذي داس المعصرة وحده، وانتقم نقمة جبارة مِن قَتَّال الناس، نزل فتزلزلت الأرض، تشقّقت القبور، انهارت متاريس النحاس وأبواب الحديد، التي هي رمزٌ لقبضة الشيطان وسلطان الظلام.
مَن يُبَشِّر المسبيّين؟ جاء العريس، الخَتَن الحقيقي. لم يكُن للموت سلطان أن يمسكه.. اعتدى الموت على الحياة بغير وجه حقّ.. اعتدى الموت على غير المائت.. شوكة الموت حاولَتْ أن تؤذي غير الخاطئ فانكسرَتْ.
غَرَسُوا في جبينه إكليل شوك وحَسَك، أنبتته الأرض بالخطيّة.. رَضِيَ أن يحمل وخزَ الشوك في جسده، ولكن هو غير مُجَرَّب بالشرور، وليس فيه خطيّة. رئيس هذا العالم له في كلّ واحد شيء، أمّا المسيح وحده فقال: «رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ» (يو14: 30).
يوم النقمة قد جاء.. يوم الرجوع إلى الفردوس قد أشرَقَ.. يا للفرح العجيب عندما أشرَقَ الربُّ بوجهه على أبينا آدم وأمّنا حواء.. عاد الأصل يُشرِق على الصورة يُجَدِّدها ويُحييها.
انهضوا.. انهضوا أيّها الآباء والصدّيقون والأبرار وكلّ مَن عاش ومات على الرجاء. «انهَضوا مِن بعد جلوسِكم يا آكِلي الخُبْزَ بالهُمومِ» (مز127: 2).. «قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ (فقد جاء مخلِّصُك)، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ» (إش60: 1).
لا يستطيع قلمٌ أن يُعَبِّر عن المشاعر التي لاقَى بها يعقوب أب الأسباط ابنه يوسف الذي كان مُعتَبَرًا ميتًا، قال الكتاب: «وَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا» (تك46: 29). إن كانت هذه المشاعر البشرية لا يُمكِن أن يُعبَّر عنها، فكَم وكَم تكون رأفات حنان وأحشاء مخلّصنا، المَصدَر اللانهائي والمُذخَر فيه كلّ كنوز الحُبّ، عندما أشرَق بوجهه على قدّيسيه وأبراره المختارين، وهم كانوا موتى بالخطايا، محبوسين في الظُّلمة مَعدودين مع الهالكين.
وقع على عنقهم، يُقَبِّل ويُخلِّص، يفكّ من القيود وينجِّي من الأَسْر. الموت لا يوجَد فيما بعد، الحزن والهَمّ كلاهما مضى. لا ظلام ولا شِبه ظلام، ولا فُرقة ولا قَطِيعة، بل صانع السلام صالَحَ الأرضيّين مع السمائيّين، وجعل الاثنين واحدًا. لا حِجاب ولا حاجز، بل رفعه من الوسط مسمِّرًا إيّاه على الصليب.
أيّ شكرٍ يستطيع به القديسون أن يتقرّبوا إلى الله. إنّه الشكر الذي يسبّحون به إلى الأبد وإلى أبد الأبد، لأنّه افتداهم بدمه، واشتراهم بذبيحة نفسه، وخلّصهم وفكّهم بجبروت خلاص يمينه.
بهذه الكلمات البسيطة نودّ أن نشير، مجرد إشارة إلى العمل الخلاصي المقتدِر الذي لم تُعلَن أسراره، إلاّ في كلمات قليلة كتبها الرسل الأطهار كما أُوحِيَ إليهم، وترجمَتْها الكنيسة في طقس ليلة سبت الفرح، التي إذا عِشناها بالروح نستطيع أن نُدرِك الذي من أجله أدركَنا المسيح.
(يُتّبَع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك