كلمات روحيّة للحياة
سبت الفرح
-2-
سبت الفرح أو سبت النور.. هكذا تدعوه الكنيسة، وهي تسمية تقليديّة إيمانيّة مُعَبِّرة، لأنّه فيه تَحَوَّل حزننا إلى فرح كقول الربّ، بموتِهِ المُحيِي على الصليب لأجلِ خلاصنا، «أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا» (2كو5: 14)، وقد وفَّى الديون عنّا، وقد محا صكّ خطايانا الذي كان ضِدًّا لنا، وقد رفعه من الوسط مُسَمِّرًا إيّاه بالصليب، وقد جرّد الرئاسات والسلاطين الروحيّة مِن قوّتها وسطوتها وسلطانها، وكسر قوّة الظلمة المتملّكة على جنس البشر وأشهرهم جميعًا جَهارًا في وسط نهار صليبه ظافرًا بهم فيه.
في ساعتها اظلمّت الشمس إذ غَطّى عليها نور الصليب، وصار نور شمس البِرّ سبعة أضعاف كقول إشعياء فصيح الأنبياء، نعم صارت ظلمة على الأرض كلّها مِن الساعة السادسة حتّى الساعة التاسعة، كانت «هذِهِ سَاعَتُهمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ» (لو22: 53).. فلما أكمل الرب القضيّة عنّا، مات الموت، وملكَت الحياة على الصليب «الربّ قد مَلَكَ على خشبة» كقول المزمور (96: 10). وانتهى سلطان الظلمة، وعاد إشراق نور شمس البِرّ الذي حجَبَته الخطايا، فانشقّ حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق (أي من ناحية الله) إلى أسفل (أي ناحية الإنسان). وكمل قول النبي: «وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا» (ملاخي4: 2). حقًّا قال القديس بولس الرسول: «لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ» (أف5: 8).
هو إذن سبت الفرح الروحاني، الذي ما بعده فرح، وهو سبت النور الحقيقي الذي ينير كلّ إنسان، وهو السبت الكبير الذي ارتاح فيه الرب من أعماله خالقًا خليقته الجديدة في جسده الذي هو الكنيسة.
في ختام يوم الجمعة العظيمة، حيث تُجَسِّد الكنيسة كلّ شيء، وتَجعل أحداث الخلاص حاضرة مُعاشة، ليحياها كلّ واحد، لا بسَمْعِ الكلام فحسب حيث القراءات ساعة بساعة من عتيق النبوّات إلى تكميلها بالتمام في بشارة الأناجيل، بل يجعل الطقس الحيّ هذه الأحداث أقرب إلى الحواس، أقرب إلى العَيش، ويُدخِل الذين يمارسونه بالروح إلى السمائيات عينها.
* صلوات الدفن ولحن جلجثة:
تُدفَن أيقونة الصلبوت في الورود، والحنوط، وكأنّ يوسف ونيقوديموس يشاركان الكنيسة في كلّ أجيالها، ويرتفع لحن الجلجثة، مُعَزِّيًا عجيبًا، يُردِّد ذات التسبيحات الشاروبيمية، قدوس الله.. قدوس القوي الذي لا يموت.. الذي صُلب عنا ارحمنا.. ونحن أيضًا نسجد له صارخين قائلين: ارحمنا يا الله مخلّصنا الذي صُلِبتَ على الصليب، وسحقتَ الشيطان تحت أقدامنا.. خلّصنا وارحمنا.
ثم توضَع شمعتان مثال الملاكين، واحد عند الرأس وآخر عند الرِجلين. ثم يقرأون المزمور الأول والثاني والثالث الذي يحوي هذه النبوّة الغالية: «أنَا إضْطَجَعتُ ونِمْتُ، ثمَّ اسْتَيقظْتُ»، الذي هو موت المسيح وقيامته. ولكنّ الطقس يقول إنّ الكاهن يَقرَأ هذا المزمور علانيةً إلى كلمة «أنَا إضْطَجَعتُ ونِمْتُ» فقط. -يُكَمَّل المزمور «ثمَّ اسْتَيقظْتُ» في ساعة القيامة في قُدّاس العيد -. ثُمّ يقرأون سفر المزامير المائة والخمسين مزمورًا، التي حَوَت كلّ النبوّات عن تجسُّد الكَلِمة الأزلي، وكلّ أعماله الخلاصيّة، وآلامه وموته المُحيي، وقيامته الظافرة من الأموات.
وإذ كَمّل الربّ على الصليب كلّ شيء، وقال قد أُكمِل، وبالأكثر ما هو مكتوب عنه في سفر المزامير، إذ نطق مَطلَع المزمور «إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» وهو بَعد على الصليب، لذلك فنحن حينما نقرأ المزامير، بالصلاة والطِلبة أمام الذي قَبِلَ الآلام عنّا، نؤمن أنّه أكمل لنا كلّ ما هو للحياة والتقوى، وكلّ مواعيده الإلهية مِن نحوِنا قد حقّقها لنا بموته المُحيي.
عودة إلى الكنيسة:
نعود إلى الكنيسة بعد ما يَقرُب مِن ثلاث ساعات من بعد نهاية جمعة الآلام، لنقضي أحلى وأجمل ليالي السّنة الروحيّة في الكنيسة، ليلة سبت الفرح، فنَرى الكنيسة وقد خَلَعَت عنها شارات الأحزان، وقد كساها رداء التسبيح المُفرِح، وتزيّنت كعروس مهيّأة لعريسها، جدران الكنيسة، وأبوابها، وأيقوناتها اكتست بزينة مقدسة. وتباشير أفراح القيامة تبدو ظاهرة لأوّل وَهلة، لا تُخطِئها عينٌ.
فحينما تَدلِف أقدامُنا أبواب البيعة تَسري في القلب بهجة عجيبة، تَذهَب بكلّ أوجَاع الأحزان من النفس، وتُحوِّل الحزن الذي جُزناه طوال الأسبوع في شركة آلام الرب المُخَلِّصة، يتحوّل الحزن هكذا إلى فرح روحاني لا يُنطَق به ومجيد.
تبدأ العبادة، بأنْ يلبس رئيس الكهنة والكهنة برانسهم، ويقف رئيس الكهنة ويفتح سِتر الهيكل، ويقول المزمور الأخير، استكمالاً لما قرأوه من ساعات قبل. والمزمور الأخير 151 هذا نصه:
أَنَا كُنْتُ صَغِيرًا فِي إِخْوَتِي، وَحَدَثًا فِي بَيْتِ أَبِي، كُنْتُ رَاعِيًا غَنَمَ أَبِي.
يَدَايَ صَنَعَتَا الْأًرْغُنَ، وَأَصَابِعِي أَلِفَتْ الْمِزْمَارَ. ألِّليلُويَاه.
مَنْ هُوَ الَّذِي يُخَبِّرُ سَيِّدِي، هُوَ الرَّبُّ الَّذِي يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينَ يَصْرُخُونَ إِلَيْهِ.
هُوَ أَرْسَلَ مَلاَكَهُ، وَحَمَلَنِي مِنْ غَنَمِ أَبِي وَمَسَحَنِي بِدُهْنِ مَسْحَتِهِ. ألِّليلُويَاه.
إِخْوَتِي حِسَانٌ وَكِبَارُ وَالرَّبُّ لَمْ يُسَرُّ بِهِمْ.
خَرَجْتُ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيُّ فَلَعَنَنِي بِأَوْثَانِهِ.
فاسَتليّتُ سَيْفَهُ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ، وَقَطَعْتُ رَأْسَهُ عنه.
وَنَزَعْتُ الْعَارَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ألِّليلُويَاه.
ولهذا المزمور لحن خاص يؤدَّى به، والليلوياه المزمور غاية في السموّ والإبداع الروحي، شيء لا يوصَف حقًّا، ولكنّه مَذَاقة عجيبة تُمَتِّع بها الكنيسة أحباءها، وتُنعِش نفوسهم بأريج القيامة ونصرة المسيح، لحن سمائي جميل ونغم ملائكي لا يُعبَّر عنه.
أرجو بالرب أنّ يتمتّع به كلّ قارئ، وإن لم تكن تعرفه، اطلبه واستمع إليه، تَعرَّف عليه، أعطِ روحك فرصة التمتُّع بشركة القدّيسين، في عُمق العبادة الرزينة في الكنيسة والأصالة في التعبير عن نِعَم الخلاص.
تبدأ تسابيح الليلة، بترتيل هذا المزمور، وهو مزمور خلاص مُقتدِر صنعه الربّ الإله بداود مُختاره، وهو بعد فتى صغير. كان العدوّ جليات الفلسطيني رهيبًا في منظره، مُخيفًا في هيئته، طوله ستة أذرع وشبر(حوالى 3 متر). ملابسه الحربيّة مُفزِعة، يكفي أن يضيف الكتاب أنّ رمحه الذي بيده كان كنول النسّاجّين، ضخامة مُفزِعة. بينما داود، كان فتى صغير، غير متدِّرب في الحروب، وهو على ما يبدو راعي غنيمات صغيرة. لا يملك ظاهريًّا شيئًا من القوّة. كان العدو المخيف يَصعَد أربعين يومًا يعيِّر صفوف الله الحيّ، ولم يكن أحد يجرؤ أن يقترب إليه. ولما سمع داود هذا التعيير، قال: «مَنْ هُوَ هَذَا ٱلْفِلِسْطِينِيُّ ٱلْأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ ٱللهِ ٱلْحَيِّ؟» (1صم17). واقترب داود واقتحمَ دوائر القتال، لا بسيف ولا برمح ولكن باسم رب الجنود، بقوّة ليسَتْ مِن هذا العالم. وضرب الفلسطيني بحصاة من مقلاعه. فارتزّت الحصاة في جبهة جليات ووقع صريعًا، فركض إليه داود واستلّ سيفه الذي كان بيده، وقطع رأسه، ونزع العار عن بني إسرائيل.
القصّة كلّها بتفاصيلها، كانت رمزًا للخلاص الذي صنعه الربّ يسوع المسيح مخلِّص العالم كلّه، الذي سحق الشيطان المتجبِّر (جليات الروحي) وبسيفه الذي قتل الجميع، قتله الرب.. بالموتِ داس الموت، وخلّص شعبه من قبضته بجبروت يمين خلاصه، هكذا نزع العار عن شعبه (عار الشعوب الخطيّة). ما أجمل الرمز في هذا المزمور، وما أكمل الحقيقة التي نعيشها بالمسيح الذي يقودنا في موكب نصرته كلّ حين. على أثر موت جليات، اندحرَت جيوش الفلسطينيّين فارّين وهاربين إذ انكسر جبّارهم. وكان أنّ النساء خرجَتْ من جميع مدن إسرائيل بالغِناء والرقص، بدفوف وفرح وبمثلّثات، هو تسبيح تلقائي نابع من الفرح بالخلاص.
سبت الفرح
-2-
سبت الفرح أو سبت النور.. هكذا تدعوه الكنيسة، وهي تسمية تقليديّة إيمانيّة مُعَبِّرة، لأنّه فيه تَحَوَّل حزننا إلى فرح كقول الربّ، بموتِهِ المُحيِي على الصليب لأجلِ خلاصنا، «أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا» (2كو5: 14)، وقد وفَّى الديون عنّا، وقد محا صكّ خطايانا الذي كان ضِدًّا لنا، وقد رفعه من الوسط مُسَمِّرًا إيّاه بالصليب، وقد جرّد الرئاسات والسلاطين الروحيّة مِن قوّتها وسطوتها وسلطانها، وكسر قوّة الظلمة المتملّكة على جنس البشر وأشهرهم جميعًا جَهارًا في وسط نهار صليبه ظافرًا بهم فيه.
في ساعتها اظلمّت الشمس إذ غَطّى عليها نور الصليب، وصار نور شمس البِرّ سبعة أضعاف كقول إشعياء فصيح الأنبياء، نعم صارت ظلمة على الأرض كلّها مِن الساعة السادسة حتّى الساعة التاسعة، كانت «هذِهِ سَاعَتُهمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ» (لو22: 53).. فلما أكمل الرب القضيّة عنّا، مات الموت، وملكَت الحياة على الصليب «الربّ قد مَلَكَ على خشبة» كقول المزمور (96: 10). وانتهى سلطان الظلمة، وعاد إشراق نور شمس البِرّ الذي حجَبَته الخطايا، فانشقّ حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق (أي من ناحية الله) إلى أسفل (أي ناحية الإنسان). وكمل قول النبي: «وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا» (ملاخي4: 2). حقًّا قال القديس بولس الرسول: «لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ» (أف5: 8).
هو إذن سبت الفرح الروحاني، الذي ما بعده فرح، وهو سبت النور الحقيقي الذي ينير كلّ إنسان، وهو السبت الكبير الذي ارتاح فيه الرب من أعماله خالقًا خليقته الجديدة في جسده الذي هو الكنيسة.
في ختام يوم الجمعة العظيمة، حيث تُجَسِّد الكنيسة كلّ شيء، وتَجعل أحداث الخلاص حاضرة مُعاشة، ليحياها كلّ واحد، لا بسَمْعِ الكلام فحسب حيث القراءات ساعة بساعة من عتيق النبوّات إلى تكميلها بالتمام في بشارة الأناجيل، بل يجعل الطقس الحيّ هذه الأحداث أقرب إلى الحواس، أقرب إلى العَيش، ويُدخِل الذين يمارسونه بالروح إلى السمائيات عينها.
* صلوات الدفن ولحن جلجثة:
تُدفَن أيقونة الصلبوت في الورود، والحنوط، وكأنّ يوسف ونيقوديموس يشاركان الكنيسة في كلّ أجيالها، ويرتفع لحن الجلجثة، مُعَزِّيًا عجيبًا، يُردِّد ذات التسبيحات الشاروبيمية، قدوس الله.. قدوس القوي الذي لا يموت.. الذي صُلب عنا ارحمنا.. ونحن أيضًا نسجد له صارخين قائلين: ارحمنا يا الله مخلّصنا الذي صُلِبتَ على الصليب، وسحقتَ الشيطان تحت أقدامنا.. خلّصنا وارحمنا.
ثم توضَع شمعتان مثال الملاكين، واحد عند الرأس وآخر عند الرِجلين. ثم يقرأون المزمور الأول والثاني والثالث الذي يحوي هذه النبوّة الغالية: «أنَا إضْطَجَعتُ ونِمْتُ، ثمَّ اسْتَيقظْتُ»، الذي هو موت المسيح وقيامته. ولكنّ الطقس يقول إنّ الكاهن يَقرَأ هذا المزمور علانيةً إلى كلمة «أنَا إضْطَجَعتُ ونِمْتُ» فقط. -يُكَمَّل المزمور «ثمَّ اسْتَيقظْتُ» في ساعة القيامة في قُدّاس العيد -. ثُمّ يقرأون سفر المزامير المائة والخمسين مزمورًا، التي حَوَت كلّ النبوّات عن تجسُّد الكَلِمة الأزلي، وكلّ أعماله الخلاصيّة، وآلامه وموته المُحيي، وقيامته الظافرة من الأموات.
وإذ كَمّل الربّ على الصليب كلّ شيء، وقال قد أُكمِل، وبالأكثر ما هو مكتوب عنه في سفر المزامير، إذ نطق مَطلَع المزمور «إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» وهو بَعد على الصليب، لذلك فنحن حينما نقرأ المزامير، بالصلاة والطِلبة أمام الذي قَبِلَ الآلام عنّا، نؤمن أنّه أكمل لنا كلّ ما هو للحياة والتقوى، وكلّ مواعيده الإلهية مِن نحوِنا قد حقّقها لنا بموته المُحيي.
عودة إلى الكنيسة:
نعود إلى الكنيسة بعد ما يَقرُب مِن ثلاث ساعات من بعد نهاية جمعة الآلام، لنقضي أحلى وأجمل ليالي السّنة الروحيّة في الكنيسة، ليلة سبت الفرح، فنَرى الكنيسة وقد خَلَعَت عنها شارات الأحزان، وقد كساها رداء التسبيح المُفرِح، وتزيّنت كعروس مهيّأة لعريسها، جدران الكنيسة، وأبوابها، وأيقوناتها اكتست بزينة مقدسة. وتباشير أفراح القيامة تبدو ظاهرة لأوّل وَهلة، لا تُخطِئها عينٌ.
فحينما تَدلِف أقدامُنا أبواب البيعة تَسري في القلب بهجة عجيبة، تَذهَب بكلّ أوجَاع الأحزان من النفس، وتُحوِّل الحزن الذي جُزناه طوال الأسبوع في شركة آلام الرب المُخَلِّصة، يتحوّل الحزن هكذا إلى فرح روحاني لا يُنطَق به ومجيد.
تبدأ العبادة، بأنْ يلبس رئيس الكهنة والكهنة برانسهم، ويقف رئيس الكهنة ويفتح سِتر الهيكل، ويقول المزمور الأخير، استكمالاً لما قرأوه من ساعات قبل. والمزمور الأخير 151 هذا نصه:
أَنَا كُنْتُ صَغِيرًا فِي إِخْوَتِي، وَحَدَثًا فِي بَيْتِ أَبِي، كُنْتُ رَاعِيًا غَنَمَ أَبِي.
يَدَايَ صَنَعَتَا الْأًرْغُنَ، وَأَصَابِعِي أَلِفَتْ الْمِزْمَارَ. ألِّليلُويَاه.
مَنْ هُوَ الَّذِي يُخَبِّرُ سَيِّدِي، هُوَ الرَّبُّ الَّذِي يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينَ يَصْرُخُونَ إِلَيْهِ.
هُوَ أَرْسَلَ مَلاَكَهُ، وَحَمَلَنِي مِنْ غَنَمِ أَبِي وَمَسَحَنِي بِدُهْنِ مَسْحَتِهِ. ألِّليلُويَاه.
إِخْوَتِي حِسَانٌ وَكِبَارُ وَالرَّبُّ لَمْ يُسَرُّ بِهِمْ.
خَرَجْتُ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيُّ فَلَعَنَنِي بِأَوْثَانِهِ.
فاسَتليّتُ سَيْفَهُ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ، وَقَطَعْتُ رَأْسَهُ عنه.
وَنَزَعْتُ الْعَارَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ألِّليلُويَاه.
ولهذا المزمور لحن خاص يؤدَّى به، والليلوياه المزمور غاية في السموّ والإبداع الروحي، شيء لا يوصَف حقًّا، ولكنّه مَذَاقة عجيبة تُمَتِّع بها الكنيسة أحباءها، وتُنعِش نفوسهم بأريج القيامة ونصرة المسيح، لحن سمائي جميل ونغم ملائكي لا يُعبَّر عنه.
أرجو بالرب أنّ يتمتّع به كلّ قارئ، وإن لم تكن تعرفه، اطلبه واستمع إليه، تَعرَّف عليه، أعطِ روحك فرصة التمتُّع بشركة القدّيسين، في عُمق العبادة الرزينة في الكنيسة والأصالة في التعبير عن نِعَم الخلاص.
تبدأ تسابيح الليلة، بترتيل هذا المزمور، وهو مزمور خلاص مُقتدِر صنعه الربّ الإله بداود مُختاره، وهو بعد فتى صغير. كان العدوّ جليات الفلسطيني رهيبًا في منظره، مُخيفًا في هيئته، طوله ستة أذرع وشبر(حوالى 3 متر). ملابسه الحربيّة مُفزِعة، يكفي أن يضيف الكتاب أنّ رمحه الذي بيده كان كنول النسّاجّين، ضخامة مُفزِعة. بينما داود، كان فتى صغير، غير متدِّرب في الحروب، وهو على ما يبدو راعي غنيمات صغيرة. لا يملك ظاهريًّا شيئًا من القوّة. كان العدو المخيف يَصعَد أربعين يومًا يعيِّر صفوف الله الحيّ، ولم يكن أحد يجرؤ أن يقترب إليه. ولما سمع داود هذا التعيير، قال: «مَنْ هُوَ هَذَا ٱلْفِلِسْطِينِيُّ ٱلْأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ ٱللهِ ٱلْحَيِّ؟» (1صم17). واقترب داود واقتحمَ دوائر القتال، لا بسيف ولا برمح ولكن باسم رب الجنود، بقوّة ليسَتْ مِن هذا العالم. وضرب الفلسطيني بحصاة من مقلاعه. فارتزّت الحصاة في جبهة جليات ووقع صريعًا، فركض إليه داود واستلّ سيفه الذي كان بيده، وقطع رأسه، ونزع العار عن بني إسرائيل.
القصّة كلّها بتفاصيلها، كانت رمزًا للخلاص الذي صنعه الربّ يسوع المسيح مخلِّص العالم كلّه، الذي سحق الشيطان المتجبِّر (جليات الروحي) وبسيفه الذي قتل الجميع، قتله الرب.. بالموتِ داس الموت، وخلّص شعبه من قبضته بجبروت يمين خلاصه، هكذا نزع العار عن شعبه (عار الشعوب الخطيّة). ما أجمل الرمز في هذا المزمور، وما أكمل الحقيقة التي نعيشها بالمسيح الذي يقودنا في موكب نصرته كلّ حين. على أثر موت جليات، اندحرَت جيوش الفلسطينيّين فارّين وهاربين إذ انكسر جبّارهم. وكان أنّ النساء خرجَتْ من جميع مدن إسرائيل بالغِناء والرقص، بدفوف وفرح وبمثلّثات، هو تسبيح تلقائي نابع من الفرح بالخلاص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك