كلمات روحيّة للحياة
يــوم الخمسين وعمل الروح القدس
-2-
الــــروح المعزِّي
«كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا، وَفِي أُورُشَلِيمَ تُعَزَّوْنَ. يَقُولُ الرَّبُّ» (إش66: 13). أورشليم الجديدة هي كنيسة الله التي اقتناها بدمه.. التعزية في داخلها بلا حدود «أَحْبَبْتُ مَحَلَّ (جمال) بَيْتِكَ... يَرْوَوْنَ (سنشبع) مِنْ دَسَمِ بَيْتِكَ» (مز26: 8، 36: 8).
خبز الحياة في الكنيسة أعدَّه الروح القدس. ماء الحياة ينبع من الكنيسة من جرن المعمودية ومن كأس الإفخارستيا.. سواقي الله ملآنة ماء.. ينابيع تفيض إلى حياة أبدية.. تفيض من أعماق القلب، وتجري كدموع على المآقي (مجاري الدُّموع من العين).. تُطَهِّر وتغسل وتنقِّي وتعمل على الصفاء.. ندخل إلى جنّة الكنيسة، وقد أغناها الروح، لأنّ الله هو الذي ينُمِّي زرعها.. مملوءة من الخيرات، غروس الزيتون تنمو فيها.. زيت الروح ينير سراجها. شبّانها وبناتها زينة القداسة تجعلهم غروس الروح.. كهنتها يلبسون البرّ؛ دهن الروح وقنينة الميرون.
روح العزاء كالطيب النازل على رأس الكنيسة، يمسح في كلّ يوم العذارى والشبان والشيوخ معًا.
التسبيح في الكنيسة أنغامٌ منسجمة من فِرَق التسبيح التي ألفّها الروح القدس. الروح هو روح الإلهام صانع المواهب، مواهب التسبيح في الكنيسة هي ينبوع العزاء لكلّ النفوس.
«سَبِّحوا الرَّبَّ فإنَّ... لإلَهِنا يَلذُّ التَّسْبيحُ» (مز146 أجبية).
«سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا» (مز97 أجبية) هذا هو مزمور الأعياد في الكنيسة. الروح يحرِّك نفوس المسيحيين ويُغني الكنيسة بعزاء التسبيح. المؤمنون في الكنيسة لا يَحضرون كمستمعين للتسبيح بل مشاركين. ليس في الكنيسة أماكن للمتفرّجين.. بل الكلّ شركاء في النعم والمواهب. الشعب له دور كبير في العبادة، وله ألحان ومردّات تغطِّي كلّ أنواع الخدمات الليتورجيّة.
+ مواهب متنوعة يعطيها الروح في الكنيسة، كلّها عطايا وهدايا. وأنواع خِدَم يُنشئها الروح، ويُقيم عليها مَن يعطِيهم المواهب لتكميلها. المُعطِي يعطيه الروحُ روحًا وسخاءً، والراحم يعطيه روحًا وسرورًا.
روح العــزاء
الإنسان المسيحي يواجه العالم وروح العالم بكلّ ما فيه مِن ظُلم وظُلمة، وقبح ونجاسة، وكبرياء وجميع أنواع الخطايا. وهو بالروح القدس الساكن فيه يشهد ضدّ العالم وروح العالم، ليس بالكلام ولكن بالسلوك بالحقّ.
وهذه المواجهة هي التي قال عنها الربّ «إِنْ (كان) الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ» (1يو3: 13). وهذا هو سبب الاضطهاد المعلَن والمُخفَى. وقد سأل الربّ يسوع الآب وقال: «لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ» (يو17: 15). وبحسب ما هو مكتوب: «الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ» (1يو4: 4). وقد تأكّد للآباء القدّيسين أنّ هذه الحرب «حَرْبٌ لِلرَّبِّ مِنْ دَوْرٍ إِلَى دَوْرٍ» (خر17: 16). وأينما يوجد مَن يؤمن بالمسيح ويحيا بالروح توجَد هذه الحروب الروحية، وبكلّ تأكيد إنّ مصارعتنا ليست مع لحمٍ ودم.. وبكلّ تأكيد فإنّ الغلبة في النهاية تكون لحساب المسيح الذى قام من الأموات وأبطَلَ عِزّ الموت.
على أنّ هذه الحرب الدائرة والمستمرة لا نجوزها بدون عزاء الروح المُعَزِّي الساكن فينا. فإنْ وقع علينا ظلم، فمَن هو الذي يستطيع أن يقبل الظلم؟ إنّ الظُّلم قاسٍ على النفس أيّما قسوة. فالمظلوم يجوز في مرارة نفسٍ لا يمكن التعبير عنها. ولكنّ الروح القدس في الداخل يعمل عمله المُعزِّي، ويجعل رسم الصليب أمام عين الإنسان، ويَكشِف له سِرّ الذي صُلب عن ضعف وهو القوي، وسِرّ الذي «ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ» (إش53: 7).. ويقود النفس إلى التعمق في سِرّ هذا الظلم الذي وقع على المسيح، فقبلَه بإرادته، وحمل الخطايا وهو غير الخاطئ، وبَذَلَ نفسه للموت، وهو غير المائت.
ثم يُقنِع النفس بقناعة كاملة أن «لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَلاَ الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ» (مت10: 24)، «لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟» (لو23: 31). ويلِحّ الروح على النفس أن تتدرّب على هذا المنهج تابعةً مخلّصها، ويسكب عزاءه الفائق، فتتذوّق النفس حلاوة العزاء، وشيئًا فشيئًا تَخضَع لإيحاءاته الإلهيّة، وتَخضَع الذّات التي تطالِب بحقّها وتثير في النفس إحساسات سلبيّة ومُرَّة، إمّا بصِغر النفس واليأس في حال عدم استرداد حقّها، أو رغبة الانتقام من الظالم والتفكير في كيف تنتقم لنفسها، عوض الظلم الذي لحقها.
هنا يكون عزاء الروح القدس، يلغي تمامًا السلبيّات في القلب والفكر، ويعوِّض النفس عزاءً روحيًّا فائقًا لا يعرفه الناس، لأنّ عمل الروح السرِّي يكون مثل قول إشعياء «مثل ولد تعزّيه أمّه». وهكذا يكون الأمر في باقي جهادات حفظ الإنسان نفسه من النجاسات التي تملأ العالم، ومِن الحروب في قسوتها وإغراءاتها وتزيِّين الشيطان للخطيّة، ومُغالاته في تضخيم عدم القدرة على الوقوف حيالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك