2020/05/16

يوم الخمسين


كلمات روحيّة للحياة




  يــوم الخمسين وعمل الروح القدس

-1-

- «رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ» (إش61: 1).
- «أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ» (أع2: 17).

هذه النعمة التي سكبها الربّ على البشر لا تُدانيها نعمة، نعمة وعطيّة الروح القدس للإنسان. انسكبَتْ النعمة سَكبًا من السماء – كانسكاب المطر على الأرض العطشى.. بدون الماء لا توجَد حياة.. بل قَفر موحِش وصحراء بلا حياة. هكذا تكون النفس بدون الروح القدس.

+ «مَنْ آمَنَ بِي... تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». (يو7: 38). الروح الذي قبلناه وصار ساكنًا فينا.. يتفجّر كأنهار ماء حياة من باطننا.. فيروي ويُغني ويُنمي ويغيّر وجه القلب. كما تُغَيِّر ينابيع المياه وجه الأرض.
الروح يرتاح في القلوب المتواضعة.. كجَرَيان المياه في الأودية المنخفِضة. أمّا المتشامخ الروح والمتكبّر والمُعتدّ بذاته فإنّه يكون خاويًا خاليًا من الروح.. لأنّ الأماكن المرتفعة لا يجري إليها النهر.
القلب المتواضع والمنكسر يصير مسكنًا للروح. الروح القدس هو روح المسيح الوديع والمتواضع القلب. لذلك لا يساكن المتكبرين.. لأنّ «اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً» (1بط5: 5) ويسكن فيهم.
 + «يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يو14: 26). الذي يُخضِع نفسه لروح الله.. ويُطيع بلا شرط، ولا يعاند، فإنّ الروح يُعَلِّمه كلّ شيء، ويُحَكِّمه بحكمة إلهيّة ليست مِن هذا العالم. تعليم الناس وعلوم العالم شيء، أمّا ما يُعَلِّمه الروح فهو شيء آخر.. الحكمة البشريّة شيء، وحكمة الروح شيء آخر. 
+ قال الرب في المزمور (32: 8) «أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ». فالروح يفحص كلّ شيء حتى أعماق الله، فهو الذي ينير القلب والذِّهن والبصيرة من الداخل، ويكشف أمام العين معرفة الأسرار. الذي يَخضع للروح القدس يعمل الروح في داخله إنارة إلهيّة فيعرف سِرّ الإيمان، ويصير له دراية بسرّ المسيح لأنّه «لا أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُول َيَسُوعُ رَبٌّ إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» (1كو12: 3). فالروح يشهَد للمسيح من داخل القلب ويُقنِع القلب ويغنيه بالإيمان.

 + أسرار الإيمان المسيحي بدون فحص العقل يُعلِّمُها الروح للعابد.. أسرار الصلاة يُعلِّمها الروح.. هو معلم الصلاة «لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا» (رو8: 26).. هو الذي يُشعِل نار القلب محبة في المسيح. وهو الذي يفيض كلام الصلاة، ويُفعِم المشاعر بالحقّ والحبّ. 
 + الروح هو الذي يُحبِّب للنفس كلّ ما هو صالح. وهو الذي يُحفِّز الضمير ليقاوم الانفعالات الشريرة.. الروح هو الذي يُعزِّى الإنسان عن تغرُّبِهِ عن وطنه السماوي.. الروح هو الذي يُهوِّن آلام الغربة.
 + الروح القدس يُعلِّم الإنسان في الباطن ويُجَمِّله «بِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ» (نش3: 6).. هو الذي يزيِّن النفس بالصبر والاحتمال. 
 + الروح هو الذي صَنَع النُسَّاك، وضبط حياتهم الفائقة على الطبيعة في سلوكها بضبط الروح، في الحياة النسكيّة الشاقّة، وهو الذي قادهم في دروب الاتضاع، بحذق وحكمة إلهيّة، دون الجنوح إلى العيوب النفسيّة والخلل الذهني أو انغلاق النفس أو التعالي.
 + الروح القدس هو الذي عمل في الرسل الكارزين بقوّة الإنجيل لتغيير العالم وردّ الضالين. 

«وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ» (يو6: 45).

 لا يحتاج الإنسان إلى معرفة الناس وتعليم الناس.. بل تُعلِّمه المسحة التي له من القدوس.. لا يحتاج إلى كثرة الأسئلة، وإلى إِشغال العقل والفكر الجسدي في السماويات، بل بالروح يدرك الروحيّات.
 الروح القدس لا يُعطَى بكيل.. بل يفيض ويزيد. يملأ إلى كلّ المِلء، فيض الصلاة وسخاء العطاء، وقامات القديسين تشهد على ذلك.
 الروح يَهُبُّ حيث يشاء بحسب إرادته الإلهية. أفكار الروح تعلو فوق حسابات الناس وتدبير الناس. حين يَهُبُّ يُسِيلُ المياهَ.. حين يملأ القلب تجري الدموع كالنهر.
 هبوب الريح العاصف كان يوم الخمسين ملموسًا محسوسًا مع ألسنة النار المنقسمة. مازال الروح يهبّ وسيظلّ إلى يوم مجيء المسيح. والنار التي أُلقيت على أرض البشر مازالت تضطرم.
 لا حدود للريح ولا حدود للنار.. هذا هو قصد الله.. جيل يعبر وجيل يجيء.. والروح هو العامل، ونار الروح تشعِل القلوب من جيل إلى جيل.
 الروح يُعلِّم بلا توقُّف، وعلى الإنسان أن يستلهِم الروح، ويَخضَع طائعًا.. يرتقي الإنسان بالتعليم، وينتقل من طور إلى آخر.. هكذا نما القديسون في الفضيلة والمعرفة، بقدر ما أعطاهم الروح من عِلم إلهي. 

الروح يخلق القلب والكيان

 «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ ِيَسُوعَ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ» (2كو5: 17). الروح هو الذي يصنع الخليقة الجديدة. قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله. من العدم يَخلِق ومن لا شيء يُصوِّر.. ممّا ليس بظاهر.. من الضعف الشديد يخلق قوّة. «بِضَعْفِ الْجَسَدِ بَشَّرْتُكُمْ... بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ» (غل4: 13، 2كو2: 4). «لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيْءٌ مِنَ الرَّاحَةِ» (2كو7: 5) ولكنّ الروح كانت متأجّجة.
 «وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ» (حز36: 26)، وشَتّان بين الحجر واللحم. مِن أين الحاسيّات المتناهية في الرِّقّة والحنوّ؟ مِن أين حاز بولس الرسول كلّ هذا بعد تاريخ القلب الحجري والقسوة، حتّى القتل وقسوة التعذيب، ومنظر رجم اسطفانوس وهو راضٍ ومبارِك؟ الروح يَخلِق ويدعو الأشياء غير الموجودة للوجود داخل النفس البشرية.. شيء مهول لا تُدرِكه العقول.
 إذا عمل الروح في داخل الإنسان يحوِّل جفافه إلى جنّة وحين تجري أنهار الماء الحيّ.. يا للإبداع في الخلق من كلّ ما تشتهي النفس أن ترى وتشبع!
«لِيَأْتِ حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ... أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ» (نش4: 16، 12) أبدعها الروح القدس خالقها. الطاقات التي تتفجّر مثل فيضانات في الداخل مَن يستطيع أن يصفها من جهة المحبّة القلبيّة التي هي أقوى القُوَى، لظى نار الرب. ومِن جهة النشاط والغِيرة على خلاص النفس. ومن جِهة البذل والخدمة وسكب النفس. ومن جهة الإيثار وتفضيل الآخر. ومن جهة العطاء والسخاء. ومِن جِهة التقديس وتكريس الكلّ.. أنهار ماء حيّة.. قُوَى المقاومة لا تستطيع الوقوف في وجهها.. أنهار تجرف الكلّ ولا تتوقّف عند حدّ.

الخليقة الجديدة لها إمكانيّات فائقة. لا يمكن أن تقارّن مع ضعف الطبيعة الساقطة «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» بروحه القدوس. (في4: 13).

(يُتَّبَع)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك

إعلان1
إعلان2
إعلان3