كلمات روحيّة للحياة
سبت الفرح
-١-
* طقس حيّ:
كنيستنا مجيدة حقًّا، الإيمان فيها حيّ طالما هي تعي الإنجيل والبشارة المُحيية كما وعاها أباؤها القدّيسون وفسّروها بالروح بالإلهام. وقدرة الكنيسة العجيبة هي أن تنقل خبر الإيمان مُمتزِجًا بخِبرة القدّيسين وحياتهم، خلال ما تُسَلِّمه الكنيسة لأبنائها من جيلٍ إلى جيل.
ألحان الكنيسة ليست مُجرّد موسيقى، يُقال عنها شرقيّة أو غربية لأنّها لا تنتسِب إلى هذا العالم ولا إلى أساليب هذا العالم، بل هي مقدّسة ولها قدرة على تقديس الفكر والذهن والعواطف. فأنت عندما تستمع إلى لحن كنسي يُقال بالروح، يثير فيك عواطف مقدسة حتى ولو كنت تَجهل معاني الكلمات أو قوّة اللغة التي يُقال بها.
لا يوجد شيء في العالم يمكن أن يَصِل بك إلى هذه الحالة الروحيّة، لا توجَد موسيقى تستطيع أن ترفَع روحك إلى علوّ روحاني هكذا.
ألحان الصوم الكبير كفيلة أن توقِظ في الشعور أحاسيس الندم على الخطايا، وتدفَع الإنسان إلى صدق التوبة والاعتراف.
ألحان أسبوع الآلام، مَن سمِعها أو أمَال أذنه الروحيّة إليها، ولم يذرف الدموع؟!
أمّا ألحان القيامة، ففيها من البهجة والسرور الروحي ما يُقيم الإنسان من التراب ومِن قبور الخطايا. وهي كإشراق نور الرب في فجر قيامته.
لقد ألهَم الربّ في القديم داود، مُرنِّم إسرائيل الحلو، كما يدعوه الكتاب. فقال مزاميره بالروح كقول الرب يسوع. ثم كان الهيكل إلهيًّا في كلّ تفاصيله، إذ أعطى داود سليمان ابنه كلّ ما كان عنده بالرّوح بحسب المثال. وقال داود: «قَدْ أَفْهَمَنِي الرَّبُّ كُلَّ ذلِكَ بِالْكِتَابَةِ بِيَدِهِ عَلَيَّ، أَيْ كُلَّ أَشْغَالِ (أعمال) الْمِثَالِ» (1أخ28: 19)، بل أنّ الربّ في البداية أمر عبده موسى رئيس الأنبياء أن يفعل كلّ شيء بحسب المثال الذي أراه إيّاه.
وهكذا كان في الهيكل طقسٌ للعبادة والسجود والأعياد وتقديم الذبائح وطقس للتسبيح، وفِرَق المغنّين أي المُسَبِّحين من جيل إلى جيل. ولم يكُن يُسمَح لأحد أن يأتي بتقدمة غريبة، غير المأمور بها في حدود ما هو مكتوب. ولم يكُن يُسمَح حتى للكهنة أن يأتوا بنارٍ غريبة. ولم يكُن يُسمَح للكهنة أن يتصرّفوا في الذبائح بحسب هواهم، بل كانت تفاصيل تقديم الذبائح والتَقدِمات تَحكُم كلّ حركة في الهيكل. ولم يُسمَع في التاريخ القديم أن قام فردٌ أو جماعة ليُدخِلوا تسابيح غريبة أو مزامير اخترعوها أو طرائق تسبيح أو أغاني من خارج، وحاولوا إدخالها إلى العبادة في الهيكل.
وهكذا ظلّت كنيستنا، تُسَلِّم الأمانة الأرثوذكسية، من جيل إلى جيل بلا زغل (غش)، بدون إضافات أو حذف حسب استحسان الناس، فألحان تسبحتها، وألحان قدّاساتها وأعيادها ومناسباتها غاية في العُمق والأصالة، وتشهَد لواضعيها من الآباء أنّه حقًّا كان فيهم روح الله، وأنّها مُلهَمة من فوق، هكذا شهد كلّ الذين تذوّقوا طعم الكنيسة، حتى وهُم من خارج الكنيسة.
نقول هذا للذين يُقلِّلون من شأن طقس الكنيسة وألحانها، إمّا عن جهل بالطقس أو اللحن، ولهؤلاء نقول أنّ طريقة العبادة هذه – بذات الطقس الحيّ والألحان الكنسية الروحيّة – هي التي أخرجت للعالم قدّيسين في كلّ مجالات الروح، هي التي رَبّت أثناسيوس شمّاسًا وقِسًّا وبطريركًا وحاميًا للإيمان – ومن المعروف أنّ قواعد الألحان وُضِعَتْ في أيامه – وهي التي زَكَّت روح النسك في ملايين النساك والعباد في البراري، هُم يُسبِّحون تسابيحها الروحيّة ساهرين الليل كلّه، فحوّلوا الأرضَ سماءً بالتسابيح.
وطريقة العبادة في كنيستنا بطقسها وألحانها هي التي جعلَتْ أرواح الشهداء تُحلِّق إلى فوق، أعلى من مستوى الآلام التي لحقَت بأجسادهم، فوَرَثَتْ الكنيسة طقس السهر من سَهَر شهدائها، وألحان الفرح ادَّخرَتها لأجيال الأبناء ككنزٍ تعب في اقتنائه الآباء.
والطامّة الكُبرى التي قد يُنكَب بها الجيل، هو السطحيّة في العبادة والجري وراء كلّ ما هو جديد وكلّ ما هو سهل. فأنت تَرَى التهاتُف على ألوان من التراتيل، أوزانها وموسيقاها، أقلّ ما يُقال عنها أنّها عالميّة أرضيّة، يرقُص لها غير العارفين ويروِّجها مَن لا أصالة لهم ولا صِلَة لهم بروح الكنيسة، يَخدَعون بها عقول البسطاء، وهي أقرب إلى أغاني أهل العالم. البعض ينقاد لها عن جهل وآخرون بروح عناد وإصرار يَوَدُّون أن يصيغوا الكنيسة بهذه الصبغة الغريبة على روحها شكلاً وموضوعًا. والبعض يرى أنّها نوع من التطور، عندما يستوردون من الكنائس البروتستانتية تراتيل وأوزان وطرائق عبادتهم المختلفة، وهذا في الحقيقة شيء محزن للغاية، مؤسف أشد الأسف. ألا يَعلَمون أنّ كنيستنا بما فيها من كنوز ليست في عَوَزٍ أو احتياج.
لقد تحلّلت الجماعات غير الأرثوذكسية من كلّ ما هو أصيل، من كلّ طقس أو التزام، فماذا كانت النتيجة؟ هل أخرجَتْ للعالم قدّيسين، وهل بَنَتْ نفوس تابعيها كما عاشت كنيستنا؟ يكفي أن نضع هذه الحقيقة شاهدة.
إنّ على الآباء والخُدّام في الكنيسة في أيّامنا هذه تقَع أعظم المسئولية، في حِفظ الأمانة وتسليمها كما تسلّمناها. الأمانة هي أن تُسَلِّمم الشيء كما هو عليه.. سيُدان أمام الله كلّ من لا يوجد أمينًا.
الكنيسة، إيمانها، ومعتقداتها، طقسها، وألحانها كلّها أمانة. وصوت الرب يقول: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤ2: 10).
سبت الفرح
-١-
* طقس حيّ:
كنيستنا مجيدة حقًّا، الإيمان فيها حيّ طالما هي تعي الإنجيل والبشارة المُحيية كما وعاها أباؤها القدّيسون وفسّروها بالروح بالإلهام. وقدرة الكنيسة العجيبة هي أن تنقل خبر الإيمان مُمتزِجًا بخِبرة القدّيسين وحياتهم، خلال ما تُسَلِّمه الكنيسة لأبنائها من جيلٍ إلى جيل.
ألحان الكنيسة ليست مُجرّد موسيقى، يُقال عنها شرقيّة أو غربية لأنّها لا تنتسِب إلى هذا العالم ولا إلى أساليب هذا العالم، بل هي مقدّسة ولها قدرة على تقديس الفكر والذهن والعواطف. فأنت عندما تستمع إلى لحن كنسي يُقال بالروح، يثير فيك عواطف مقدسة حتى ولو كنت تَجهل معاني الكلمات أو قوّة اللغة التي يُقال بها.
لا يوجد شيء في العالم يمكن أن يَصِل بك إلى هذه الحالة الروحيّة، لا توجَد موسيقى تستطيع أن ترفَع روحك إلى علوّ روحاني هكذا.
ألحان الصوم الكبير كفيلة أن توقِظ في الشعور أحاسيس الندم على الخطايا، وتدفَع الإنسان إلى صدق التوبة والاعتراف.
ألحان أسبوع الآلام، مَن سمِعها أو أمَال أذنه الروحيّة إليها، ولم يذرف الدموع؟!
أمّا ألحان القيامة، ففيها من البهجة والسرور الروحي ما يُقيم الإنسان من التراب ومِن قبور الخطايا. وهي كإشراق نور الرب في فجر قيامته.
لقد ألهَم الربّ في القديم داود، مُرنِّم إسرائيل الحلو، كما يدعوه الكتاب. فقال مزاميره بالروح كقول الرب يسوع. ثم كان الهيكل إلهيًّا في كلّ تفاصيله، إذ أعطى داود سليمان ابنه كلّ ما كان عنده بالرّوح بحسب المثال. وقال داود: «قَدْ أَفْهَمَنِي الرَّبُّ كُلَّ ذلِكَ بِالْكِتَابَةِ بِيَدِهِ عَلَيَّ، أَيْ كُلَّ أَشْغَالِ (أعمال) الْمِثَالِ» (1أخ28: 19)، بل أنّ الربّ في البداية أمر عبده موسى رئيس الأنبياء أن يفعل كلّ شيء بحسب المثال الذي أراه إيّاه.
وهكذا كان في الهيكل طقسٌ للعبادة والسجود والأعياد وتقديم الذبائح وطقس للتسبيح، وفِرَق المغنّين أي المُسَبِّحين من جيل إلى جيل. ولم يكُن يُسمَح لأحد أن يأتي بتقدمة غريبة، غير المأمور بها في حدود ما هو مكتوب. ولم يكُن يُسمَح حتى للكهنة أن يأتوا بنارٍ غريبة. ولم يكُن يُسمَح للكهنة أن يتصرّفوا في الذبائح بحسب هواهم، بل كانت تفاصيل تقديم الذبائح والتَقدِمات تَحكُم كلّ حركة في الهيكل. ولم يُسمَع في التاريخ القديم أن قام فردٌ أو جماعة ليُدخِلوا تسابيح غريبة أو مزامير اخترعوها أو طرائق تسبيح أو أغاني من خارج، وحاولوا إدخالها إلى العبادة في الهيكل.
وهكذا ظلّت كنيستنا، تُسَلِّم الأمانة الأرثوذكسية، من جيل إلى جيل بلا زغل (غش)، بدون إضافات أو حذف حسب استحسان الناس، فألحان تسبحتها، وألحان قدّاساتها وأعيادها ومناسباتها غاية في العُمق والأصالة، وتشهَد لواضعيها من الآباء أنّه حقًّا كان فيهم روح الله، وأنّها مُلهَمة من فوق، هكذا شهد كلّ الذين تذوّقوا طعم الكنيسة، حتى وهُم من خارج الكنيسة.
نقول هذا للذين يُقلِّلون من شأن طقس الكنيسة وألحانها، إمّا عن جهل بالطقس أو اللحن، ولهؤلاء نقول أنّ طريقة العبادة هذه – بذات الطقس الحيّ والألحان الكنسية الروحيّة – هي التي أخرجت للعالم قدّيسين في كلّ مجالات الروح، هي التي رَبّت أثناسيوس شمّاسًا وقِسًّا وبطريركًا وحاميًا للإيمان – ومن المعروف أنّ قواعد الألحان وُضِعَتْ في أيامه – وهي التي زَكَّت روح النسك في ملايين النساك والعباد في البراري، هُم يُسبِّحون تسابيحها الروحيّة ساهرين الليل كلّه، فحوّلوا الأرضَ سماءً بالتسابيح.
وطريقة العبادة في كنيستنا بطقسها وألحانها هي التي جعلَتْ أرواح الشهداء تُحلِّق إلى فوق، أعلى من مستوى الآلام التي لحقَت بأجسادهم، فوَرَثَتْ الكنيسة طقس السهر من سَهَر شهدائها، وألحان الفرح ادَّخرَتها لأجيال الأبناء ككنزٍ تعب في اقتنائه الآباء.
والطامّة الكُبرى التي قد يُنكَب بها الجيل، هو السطحيّة في العبادة والجري وراء كلّ ما هو جديد وكلّ ما هو سهل. فأنت تَرَى التهاتُف على ألوان من التراتيل، أوزانها وموسيقاها، أقلّ ما يُقال عنها أنّها عالميّة أرضيّة، يرقُص لها غير العارفين ويروِّجها مَن لا أصالة لهم ولا صِلَة لهم بروح الكنيسة، يَخدَعون بها عقول البسطاء، وهي أقرب إلى أغاني أهل العالم. البعض ينقاد لها عن جهل وآخرون بروح عناد وإصرار يَوَدُّون أن يصيغوا الكنيسة بهذه الصبغة الغريبة على روحها شكلاً وموضوعًا. والبعض يرى أنّها نوع من التطور، عندما يستوردون من الكنائس البروتستانتية تراتيل وأوزان وطرائق عبادتهم المختلفة، وهذا في الحقيقة شيء محزن للغاية، مؤسف أشد الأسف. ألا يَعلَمون أنّ كنيستنا بما فيها من كنوز ليست في عَوَزٍ أو احتياج.
لقد تحلّلت الجماعات غير الأرثوذكسية من كلّ ما هو أصيل، من كلّ طقس أو التزام، فماذا كانت النتيجة؟ هل أخرجَتْ للعالم قدّيسين، وهل بَنَتْ نفوس تابعيها كما عاشت كنيستنا؟ يكفي أن نضع هذه الحقيقة شاهدة.
إنّ على الآباء والخُدّام في الكنيسة في أيّامنا هذه تقَع أعظم المسئولية، في حِفظ الأمانة وتسليمها كما تسلّمناها. الأمانة هي أن تُسَلِّمم الشيء كما هو عليه.. سيُدان أمام الله كلّ من لا يوجد أمينًا.
الكنيسة، إيمانها، ومعتقداتها، طقسها، وألحانها كلّها أمانة. وصوت الرب يقول: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤ2: 10).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب تعليقك اذا كان لديك أى تسائل عن الموضوع وسنجيبك فور مشاهده تعليقك